تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠

في مورد التّعارض فيلزمه حقيقة ترك العمل بهما فينافيه التّعبّد بالصّدور فكيف يكون دليله دليلا عليه والقول بكون ثمرته الإجمال ونفي الثّالث والرّجوع إلى الأصل الموافق لأحدهما وإلَّا فالتّخيير العقلي نظير دوران الأمر بين المحذورين واقعا في المسألة الفقهيّة قد عرفت ما فيه هذا وقد أشرنا إلى أنّ عبارة الكتاب غير خالية عن الإجمال من حيث الحكم بأولويّة الجمع في خصوص الصّورة أو الطَّرح وإن كان ظاهرا في اختيار عدم أولويّة لأحدهما على الآخر أخيرا فقد ظهر ممّا ذكرنا كلَّه الوجه للقول بعدم ترجيح لأحد من الجمع والطَّرح على صاحبه بالنّظر إلى القاعدة كما أنّه ظهر منه وجوه سائر الاحتمالات والوجوه فلا حاجة إلى إطالة الكلام بإفراد كلّ بعنوان هذا بعض الكلام فيما يقتضيه القاعدة بالنّظر إلى دليل كلّ من التّعبّد بالصّدور والدّلالة وأمّا الكلام فيما يقتضيه الدّليل الخارجي في الصّورة المذكورة وهو الموضع الثّاني فملخّصه أنّه ليس هناك دليل عام يقضي بأولويّة الجمع فلا بدّ أن يتّبع الشّاهد الخارجي في الموارد الشخصيّة والتّشخيص بنظر الفقيه المستنبط وأمّا الطَّرح فالدّليل عليه ما دلّ على لزوم التّرجيح والتّخيير كلّ في مورده في جميع صور التّعارض الَّتي ليس فيها شاهد داخلي ولا خارجي على التّصرّف في أحدهما أو كليهما كما هو المفروض وبعبارة أخرى : فيما كان الدّليلان متعارضين ومتنافيين بنظر العرف وهذا ما أفاده بقوله في الكتاب بل الظَّاهر هو الطَّرح إلخ وحاصل ما يستفاد من الكتاب وغيره في ترجيح الطَّرح على الجمع من جهة الدّليل الخارجي يرجع إلى وجوه الأوّل : سؤال الرّواة عن حكم المتعارضين من الأخبار فيما ورد في باب العلاج بالتّرجيح والتّخيير مع ما هو المركوز في أذهانهم بل ذهن كلّ أحد من وجوب العمل بالدّليل الشّرعي مهما أمكن فلو لم يفهموا عدم الإمكان لم يكن معنى لتحيّرهم المحوج إلى السّؤال سيّما بلفظة أي الظَّاهرة في عدم كون المورد ممّا يعمل بهما معا وحمل مورد السّؤال على عدم إمكان الجمع عقلا ولو بضرب من التّأويل كما ترى فإنّه حمل على النّادر إن لم يكن حملا على المعدوم الثّاني : الأجوبة الَّتي وردت في الأخبار المذكورة فإنّه لم يقع فيها إلَّا الجواب بالطَّرح تعيينا أو تخييرا وأمّا قولهم عليهم السلام في بعض الأخبار أنتم أفقه النّاس إذا عرفتم معاني كلامنا إلخ أو أنّ أمر النّبي صلى الله عليه وآله كأمر القرآن فيه ناسخ ومنسوخ ومحكم ومتشابه الحديث فليس منافيا لما ذكر إن لم يكن مؤيّدا فإنّ الغرض منه الحثّ والتّأكيد على التّأمّل في وجوه دلالة الكلام من الدّاخل والخارج وعدم حمله على ما يفهم منه في بادي النّظر أو قبل ملاحظة القرائن الخارجيّة وهذا ليس محلَّا لإنكار واحد فلو دلّ على الجمع كما ستقف عليه فإنّما يدلّ عليه في الفرض الخارج عن محلّ الكلام الثّالث : الإجماع العملي من الخاصّة بل جميع علماء الإسلام من زمن الصّحابة إلى زماننا هذا فإنّهم لم يزالوا يطرحون أحد المتعارضين تعيينا أو تخييرا فلو كان الجمع ولو بضرب من التّأويل البعيد مقدّما على الطَّرح لما سلكوا هذا المسلك واضطراب كلام الشّيخ لا يقدح فيه مع كون عمله على طبق عملهم بل ولو لم يكن بعد انتهاء عملهم إلى زمان الحجّة فإنّ الإجماع العملي ليس كالإجماع القولي حتّى يقدح فيه مطلق الخلاف على بعض وجوه تقريره كاللَّطف أو الحدس في وجه أو مخالفة مجهول النّسب على طريقة الدّخول بعد فرض انتهاء العمل إلى زمان المعصوم واجتماع شروط التّقرير نعم ؛ فيما يجعل الإجماع العملي كاشفا عن الإجماع القولي واتّفاق المجمعين في الآراء جرى فيه ما يجري في الإجماع القولي وأمّا جمع الشّيخ رحمه الله بين الأخبار المتعارضة على وجه يقتضي ابتناءه على مجرّد الإمكان العقلي فليس مبنى عمله قطعا بل الوجه فيه ما ذكره في أوّل كتابه من ابتنائه على مجرّد الاحتمال بحسب الواقع لئلَّا يشكل الأمر على ضعفاء النّفوس من كثرة ما يشاهدون من التّعارض بين الأخبار وأمّا ما ذكره الشّيخ ابن أبي جمهور من دعوى الإجماع على تقديم الجمع على الطَّرح مهما أمكن فقد عرفت منع ظهوره في الإمكان العقلي مع أنّه على تقدير الظَّهور لا يصدّق في دعواه إذ غاية ما يسلم كون المسألة خلافيّة وأمّا الإجماع على تقديم الجمع بقول مطلق على الطَّرح فممنوع جدّا فتأمّل ( 1 ) الرّابع : لزوم الهرج والمرج في الفقه وإحداث فقه جديد يعلم بعدم ثبوته من الشّارع واللَّزوم بعد ملاحظة كثرة المتعارضات وفتاوى الأصحاب في مواردها ظاهر لا يحتاج إلى البيان فضلا عن البرهان فتدبّر ؛ هذا بعض الكلام في غير الصّورة الأولى من الصّور المتقدّمة وأمّا الصّورة الأولى وهي ما كان لأحد المتعارضين قوّة على الآخر فحاصل القول فيها أنّ القوّة لو كانت بالنّصوصيّة سواء كان بالعموم والخصوص والإطلاق والتّقييد فيما كان الخاص أو المقيّد نصّين بحسب الدّلالة أو غيرهما فلا إشكال في أولويّة الجمع في الفرض بل خروجه عن عنوان التّعارض حقيقة لما أسمعناك فيما سبق من كون النّصّ الظَّني حاكما على الظَّاهر وإن كان قطعيّا من الجهات الأخر فالتّعرض له في المقام وإدراجه في باب التّعارض وجعله من أقسام الجمع كما في الكتاب من باب التّسامح والتّوسع حقيقة ولو كانت بالظَّهور فظاهر المشهور بل صريحهم كما هو الحقّ تقديم الجمع والتّصرّف في دلالة الظَّاهر بقرينة الأظهر على التّرجيح والتّخيير وإن كان الجمع على الوجه المزبور راجعا إلى نوع من التّرجيح وهو التّرجيح بحسب الدّلالة ومرجع تقديمه حقيقة إلى ما سيتلى عليك من تقديم التّرجيح بحسب الدّلالة على سائر وجوه

هامش
( 1 ) الوجه التأمل عدم الجزم بالاجماع العملي مع ما يشاهده من مسلكهم في مقام التعارض في الفقه فان الظاهر من غير واحد تقديم الجمع على الطرح مط فتدبر منه دام ظله العالي