على الوجه الكلَّي إلَّا أنّا سلَّمنا وجود المانع عنه في بعضها الَّذي عرفت تفصيل القول فيه ولا ريب أنّ الأصل في المقام يرجع إلى ما هو الممنوع عندنا فإنّه ما لم يثبت بأصالة عدم أحد المحتملين كون الحادث المحتمل الآخر لم يترتّب عليه أثر أصلا مثلا إذا شككنا في شخص أنّه زيد العالم الغير الواجب إكرامه أو عمرو العالم الواجب إكرامه لا يمكن إثبات وجوب إكرامه إلَّا بإثبات كونه عمرو العالم ومن المعلوم أنّ إثبات هذا المعنى لا يجوز بالأصل هذا ولكن لا يخفى عليك أنّ هذا لا يتمّ في جميع الصّور فإنّه إذا شكّ في أنّ الخارج هل هو البول النّاقض للطَّهارة يقينا أو المذي الغير النّاقض كذلك لا مانع من التمسّك بأصالة عدم كونه بولا فإنّ المقصود ليس إلَّا إثبات كون الشّخص متطهّرا ولا يكون المقصود إثبات كونه غير البول وهو المذي حتّى يصير من الأصول المثبتة إذ من المعلوم أنّ الحكم الشّرعي إنّما يترتّب على مجرّد عدم خروج البول لا على كون الخارج مذيا حتّى يحتاج إلى إثباته ؛ فتدبّر
ولكن لا بدّ من التّأمّل في أنّ ما ذكرنا هل يجري بالنّسبة إلى الشّك في التّخصيص أيضا أم لا هذا محصّل ما ذكره دام ظلَّه في الكتاب في وجه عدم دلالة كلام المحقّق على اعتبار الاستصحاب عنده في الشّك في وجود الرّافع فيما إذا كان مراده من المقتضي السّبب ولكن ذكر في مجلس البحث أنّ الحقّ فساد ما ذكرنا من الوجه لعدم الدّلالة وعدم اعتبار الاستصحاب بالنّسبة إلى الشّك في وجود الرّافع لو كان التّمسك في باب الاستصحاب بما ذكره المحقّق قدس سره لأنّه إن كان المراد من تقييد الاقتضاء والتّأثير هو الشّأني بمعنى أنّ تأثير السّبب شأنا مشروط بعدم العلم بوجود الرّافع الثّابت الرّافعيّة بخلاف الموجود المشكوك رافعيّته ففيه أنّ التّأثير الشّأني المسبّب بمعنى المقتضي المقابل للمانع لا يعقل تقييده بشيء بل هو موجود ولو مع القطع بوجود المانع أيضا لأنّه بمعنى السّبب كما لا يخفى وإن كان المراد هو التّأثير الفعلي ففيه أنّه إنّما يتحقّق مع القطع بعدم المانع وأمّا مع الشّك فيه فلا يعقل الفرق بين الصّور لرجوع الشّك في جميعها إلى الشّك في التّأثير الفعلي فإن ادّعي أنّ بناء العقلاء على التّمسك بالمقتضي في صورة الشّك في التّأثير الفعلي حسب ما هو ظاهر كلام المحقّق فلا يعقل الفرق بين الصّور أيضا وإن ادّعي عدم بنائهم على ذلك إلَّا إذا ثبت التّعبد به من الشارع حسب ما يقتضيه التّحقيق عندنا على ما عرفت تفصيل القول فيه فلا يعقل الفرق أيضا بينها وليس حال السّبب كحال العموم والإطلاق اللَّفظيين حتّى يقال بالمقالة المذكورة بل المقيّد به التّأثير الفعلي للسّبب وهو عدم المانع الواقعي عن تأثيره فيلزمه الشّك فيه في جميع الصّور من غير فرق وليس هناك قضيّة
لفظيّة حتّى يفرق فيها بين الصّور بل الموجود هي القضيّة اللبيّة الَّتي لا يفرق فيها بين الصّور المزبورة بل يمكن أن يقال بمثل ذلك في العموم والإطلاق أيضا لكن لا من حيث التّمسّك باللَّفظ وظهوره بل من حيث إنّ العامّ والمطلق يكشفان عن أنّ الموضوع فيهما هو المقتضي للحكم المعلَّق عليه على ما هو الشّأن في جميع القضايا اللَّفظيّة الواردة مورد الإنشاء فإنّ الشّأن في جميعها ما ذكرنا من كشفها عن كون الموضوع فيها هو المقتضي للمحمول والمخصّص والمقيّد يكشفان عن كون موضوعهما هو المانع عن تأثير المقتضي في العام والمطلق فحينئذ يرجعان بهذا الاعتبار إلى السّبب والمانع فيأتي فيهما ما عرفته فيهما
ثمّ إنّه لو سلَّمنا سكوت كلام المحقّق عن حكم الشّك في وجود الرّافع من حيث ملاحظة ظاهر دليله وتمثيله لكن يمكن الحكم باعتبار الاستصحاب عنده فيه أيضا لجريان مناط دليله فيه وعدم تعرّضه له في أثناء كلامه لا ضير فيه حيث إنّ كلامهم وعنوان بحثهم لما كان في الاستصحاب المعدود من أدلَّة الأحكام فلهذا لم يتعرّضوا لغيره
فتدبّر ؛ هذا ملخّص ما ذكره دام ظلَّه في مجلس البحث
ولكنّك خبير بأنّ ما ذكره في العموم والإطلاق من إلحاقهما بالمقتضي في جريان ما ذكره فيه بالنّسبة إليهما من التّعميم في اعتبار الاستصحاب بين الشّك في وجود المخصّص ومخصّصيّة الموجود ليس بمستقيم قطعا
أمّا أوّلا : فلكونه منافيا لما عرفت منه سابقا من عدم كشف العموم عن المقتضي إلَّا بضميمة أصالة عدم التّخصيص حيث إنّ كشفه إنّما هو باعتبار ظهوره وظهوره إنّما هو من حيث لحاظ التّجرد عن القرينة والمخصّص فجعل العام كاشفا عن المقتضي في نفسه غير مستقيم بناء على ما عرفت منه سابقا
نعم ؛ بناء على ما استقربناه من كون المخصّص مانعا في الجملة وأنّ عدمه من أجزاء العلَّة التّامّة لا أن يكون جزءا للمقتضي لأنّه ليس هناك جزء آخر يتمّ به العلَّة التّامة وما ربما يستفاد من قوله في المقام وهو ما ذكره بقوله فإنّ العام يكفي لإثبات حكمه في مورد الشّك من جعله العام دليلا مع قطع النّظر عن ضميمة أصالة عدم التّخصيص يمكن جعل العام كاشفا عن المقتضي والخاصّ كاشفا عن المانع لكن يمكن مع ذلك المناقشة في الإلحاق حسب ما ستعرفه
وأمّا ثانيا : فلأنّ جعل العام كاشفا عن المقتضي في الجملة لا ينفع في الإلحاق المزبور فإنّ كشفه عنه إنّما هو باعتبار ظهوره وقد عرفت أنّه لا ظهور له بالنّسبة إلى وجود المخصّص المعلوم المخصّصيّة ؛ فتأمّل
فإنّه يمكن أن يقال إنّ هذا خروج عن الفرض
وأمّا ثالثا : فلأنّ تسليم كشفه عن المقتضي والخاصّ عن المانع مطلقا لا يثبت جواز الإلحاق
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 82
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٨٢