أقول : ما ذكره دام ظلَّه إشارة إلى ما عرفت منّا في المقام الثّاني من استحالة تعلَّق الجعل بالحكم الوضعي وأنّ كلّ قضيّة ظاهرها ذلك لا بدّ من صرفها عنه إلى ما يوافق ما ذكرنا وأمّا خصوصيّة مذهب الأشاعرة بالنّسبة إلى مذهب العدليّة من الإماميّة والمعتزلة مع أنّ برهان الاستحالة لا يفرق فيه بين المذهبين كما لا يخفى على من له أدنى دراية هي أنّه على مذهب الأشاعرة لمّا لم يكن الأحكام منوطة بالمصالح والمفاسد الكامنة فليس على مذهبهم هناك غير التّصور والطَّلب وأمّا على مذهب العدليّة فلما كان هناك شيء آخر فربما يقع من جهته بعض من لا خبرة له في توهّم أنّ الحكم الوضعيّ لا يمكن أن يكون انتزاعيّا تخيّلا منه أنّ الحكم الوضعي هو نفس المصلحة والمفسدة مع أنّك قد عرفت فساده وأنّه على تقدير التّسليم لا يمكن أن يكون مجعولا أيضا فالأمر في انتزاعيّة الحكم الوضعي على مذهب الأشاعرة أظهر منه بناء على مذهب العدليّة
قوله : وإلَّا فالسّببيّة القائمة بالدّلوك إلخ
أقول : أراد بذلك إثبات كون السّببيّة اعتباريّة ليست إلَّا وإن كانت على تقدير عدم اعتباريّتها غير قابلة للجعل أيضا فما ذكره بيان للواقع لكون تماميّة المطلب وهو استحالة تعلَّق الجعل بالحكم الوضعيّ موقوفة عليه
ثمّ إنّ الفرق بين ما ذكره أوّلا من كون السّببيّة من الذّاتيات للدّلوك وما ذكره أخيرا من كونها من الأوصاف الَّتي أوجدها الشّارع لا من حيث كونه شارعا بل من حيث كونه خالقا وموجدا في الدّلوك باعتبار الفصل والخصوصيّة ممّا لا يكاد يخفى على أحد فإنّ الأوّل من مقتضيات الذّات ولوازم الماهيّة من غير أن يكون بإيجاد الشّارع أو يكون بإيجاده بالنّظر إلى أصل الماهيّة على ما هو رأي جماعة من الحكماء من تعلَّق الجعل بلوازم الماهيّة أيضا
فتدبّر ؛ والثّاني من الموجودات بإيجاد الشّارع بالنّظر إلى ضميمة الفصل والخصوصيّة
ثمّ إنّ الدّليل على ما ذكره هو ما تقرّر في محلَّه من أنّ الأسباب الشّرعيّة ليست كالأسباب العقليّة مؤثّرة في المسبّب وموجدة له بل إنّما هي معرّفات وكواشف عن وجود المسبّب عندها باعتبار وجود المصلحة المقتضية لإيجاب الشّارع من باب اللَّطف الفعل عندها من حيث اقتضاء المصلحة لا من حيث تأثير السّبب وإن كان له دخل في مصلحة الفعل أيضا في الجملة لأنّ المنفيّ إنّما هي السّببيّة التّامة
ثمّ إنّ ما ذكره دام ظلَّه من قوله هذا كلَّه في السّبب إلى آخره لا يخفى ما فيه من المسامحة وبالحريّ أن يذكر مكانه في السّببيّة والشّرطيّة والجزئيّة
قوله : وأمّا الصّحة والفساد إلخ
أقول : ما ذكره راجع إلى تفسير المتكلَّمين فالصّحة والفساد على مذهبهم من الأوصاف الَّتي لا دخل لها بالجعل الشّرعي بل ربما قيل بعدم كونها من الأمور الاعتباريّة أيضا وإليه نظر من قال إنّ الصّحة والفساد من العقليّات ؛ فتأمّل
وأمّا على تفسير الفقهاء فلا إشكال في كونهما من الأمور الاعتباريّة
قوله : نعم الحكم بثبوتها شرعيّ إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ ما ذكره ليس منافيا لما سبقه ولحقه لأنّ المراد من الحكم في المقام هو الإخبار والتّصديق لا الجعل الشّرعي المقابل له
نعم ؛ هو مناف لما لحقه من حيث إنّ اعتباريّة حقائق تلك الأمور حسب ما هي قضيّة أحد الشّقّين تمنع حكم الشارع بثبوتها ولو بمعنى الإخبار
نعم ؛ لا إشكال في استقامته على تقدير كونها من الأمور الواقعيّة حسب ما هو قضيّة الشّق الآخر
نعم ؛ قد يورد على ما ذكره على هذا التّقدير أيضا بالمنع من كون اختصاص الكاشف عنها بإخبار الشّارع وحكمه حيث إنّها من الأمورات الواقعيّة الَّتي يعرفها النّاس حتّى قبل الاطَّلاع على الشّرع اللَّهمّ إلَّا أن لا يكون المقصود الاختصاص أو يكون بالنّسبة إلى بعضها فتأمّل
قوله : فيقصر سببيّة تلك الأسباب إلخ
أقول : مراده من المسبّبات ليست هي التّكاليف الَّتي حكم بكونها مسبّبات حقيقيّة بل هي الملكيّة والزّوجيّة والحريّة ونحوها الَّتي هي المسبّبات بحسب لفظه الظَّاهر فلا يرد عليه أنّ الأحكام التّكليفيّة كيف تكون اعتباريّة وقد سبق منه الحكم باستحالته ؛ فافهم
قوله : وعلى الثّاني إلخ
أقول : لا يخفى عليك ما في هذا الكلام لأنّ الأسباب على كلّ تقدير يكون من الأمور الواقعيّة الَّتي لا دخل لها بجعل الشّارع بل ولا ببيانه وكشفه كما هو واضح عند ذوي الأفهام المستقيمة وكأنه جرى من القلم سهوا وإلَّا فلا بدّ أن يقال مكان الأسباب سببيّتها ويمكن أن يجعل المراد منها تلك أيضا بأن يجعل المقصود من الأسباب الوصف القائم بها لا ذواتها فتأمّل وعلى كلّ تقدير لا إشكال في كون المراد ما ذكرنا
ثمّ إنّه لا إشكال فيما ذكره من أنّه إذا كانت المسبّبات أمورا واقعيّة فلا بدّ أن يكون سببيّة الأسباب لها أيضا من الأمور الواقعيّة كما أنّها إذا كانت من الأمور الاعتباريّة لا بدّ أن يكون سببيّة أسبابها أيضا من الأمور الاعتباريّة ضرورة استحالة تأثير الأمر الجعلي الشّرعي في الأمر الواقعي لقضيّة التّباين بين الوجودين
نعم ؛ الأمر الشّرعي يكون مؤثّرا في الحكم الشّرعي وكذا الأمر الاعتباري لا يمكن أن يكون مؤثّرا في الأمر الواقعي حسب ما هو من القضايا الأوليّة هذا ولكن لا يخفى عليك أنّ ما ذكره مبنيّ على كون المراد من السّببيّة هو الأمر الموجود في السّبب المقتضي
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 70
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٧٠