العقل ينتزع من هذا الطَّلب المقيّد سببيّة الدّلوك لوجوب الصّلاة وكذا المنشأ في قوله صلّ متطهّرا بالفرض ليس إلَّا وجوب الصّلاة مع الطَّهارة إلَّا أنّ العقل ينتزع من هذا الخطاب أمرا يعبّر عنه بشرطيّة الطَّهارة للصّلاة إلى غير ذلك فهذا هو محلّ النّزاع في جعل الحكم الوضعي وعدمه حسب ما يشهد به معنى الحكم أيضا على ما عرفت وإلَّا فلم ينكر أحد تصوّر مورد الحكم الوضعي في مقام الجعل ولا وجود ارتباط بينه وبين المأمور به ولم يدّع أيضا اتّحاد الحكمين مفهوما كيف وهو ممّا يشهد الضّرورة بخلافه على ما عرفت الإشارة إليه فما ربّما يتراءى من بعض العبائر من الاتحاد المفهومي فليس المراد منه ظاهره بل ما ذكرنا هذا كلَّه بناء على اختصاص الحكم الوضعي بالسّببيّة والشّرطيّة والجزئيّة والمانعيّة وأشباهها وأمّا بناء على التّعميم وعدم الحصر فالَّذي ينكره المنكر هو تعلَّق الجعل الشّرعي بالحكم الوضعي بمعنى كونه من مقولة فعل الشارع من حيث إنّه شارع سواء كان من الأمور الاعتباريّة الانتزاعيّة حسب ما عرفت أو من الموجودات الخارجيّة الَّتي لا دخل لها بالشّارع من حيث إنّه شارع وإن كان له دخل فيها من حيث إنّه خالق حيث إنّ إفاضته الوجود ليست إلَّا منه تعالى وأيضا المراد من الجعل الَّذي يدّعيه قائله ليس هو خصوص الجعل بالإنشاء المستقلّ المنفرد من إنشاء الحكم التّكليفي بل أعمّ منه ومن أن يكون بجعل الحكم التّكليفي فيكونان مجعولين بجعل واحد
ثمّ إنّ المراد من انتزاع الحكم الوضعي من الحكم التّكليفي ليس هو انتزاعه من الحكم التّكليفي المنجّز حسب ما توهّمه جماعة ممّن غفل عن مراد المنكرين للجعل بل أعمّ منه ومن الحكم التّكليفي المعلَّق ضرورة أنّ القضيّة التّعليقيّة موجودة فعلا وإن لم يوجد المعلَّق عليه لأنّ صدق الشّرطيّة لا يتوقّف على صدق الشّرط فلا يقال إنّه كيف يمكن وجود الحكم الوضعي مع عدم وجود الحكم التّكليفي فعلا كالضّمان بالنّسبة إلى الصّبي حسب ما صدر عن بعض الغافلين عن مراد المنكر للجعل
السّادس : أنّه لا إشكال بل لا خلاف بينهم
في أنّ الحكم التّكليفي ممّا لا يوجد إلَّا بالجعل غاية الأمر أنّه قد ينتقل إلى جعله على طريق الكشف من القضيّة الظَّاهرة في جعل الحكم الوضعي فما يظهر من بعضهم من أنّه قد يكون الحكم التّكليفي تابعا للحكم الوضعي وقد يكون بالعكس ليس مراده ما يسبق إلى الذّهن في بادي النّظر بل مراده ما ذكرنا من التّبعيّة بحسب الكشف أو التّبعيّة بالمعنى الَّذي ذكره الحكماء في مسألة الماهيّة والوجود
إذا عرفت ما قدّمنا لك من الأمور فاعلم أنّهم اختلفوا في جعل الحكم الوضعي بالمعنى الَّذي عرفته على أقوال
أحدها : الإثبات مطلقا صرّح به جماعة من أفاضل من تأخّر من الخاصّة منهم السيّد الكاظمي في شرحه على الوافية في مقام التّعريض على السيّد صدر الدّين ويظهر من بعض العامّة أيضا حيث زاد في تعريف الفقه قيد أو الوضع بل نسبه في المناهج والإشارات إلى المشهور وذكر الأستاذ العلَّامة أنّ هذه النّسبة لا أصل لها يظهر وجهه من الرّجوع إلى كلماتهم في تعريف الحكم
ثانيها : النّفي مطلقا ذهب إليه جماعة تصريحا منهم البهائي في الزّبدة حيث قال والواضع ليس عندنا حكما وأخرى ظهورا من حيث اقتصارهم في تعريف الحكم على ما يختصّ بالتّكليفي بل نسبه في شرح الوافية للسيّد صدر الدّين إلى المحقّقين بل نسبه في شرح الزّبدة للمازندراني إلى المشهور حسب ما حكاه الأستاذ العلَّامة عنه وإن لم أجد فيه وإنّما نسبه الفاضل الجواد رحمه الله إليه
ثالثها : التّفصيل بين الشّرطيّة والجزئيّة وغيرهما بالنّفي في الأوّلين والإثبات في الأخير يظهر من بعض أفاضل من تأخّر في جملة كلام له في أصالة العدم هذا والأظهر من هذه الأقوال هو الثّاني حسب ما قوّاه الأستاذ العلَّامة أيضا وفاقا للمحقّقين من الخاصّة والعامّة بل ربما يستظهر من كلام شيخنا البهائي المتقدّم نقله كونه اتّفاقيّا عند الخاصّة
ثمّ إنّ الثّابت عندنا وإن كان هو عدم إمكان جعل الحكم الوضعي كما أنّ لازم القول بالجعل هو عدم إمكان وجوده بدونه وإن كان مرجع النّزاع في الاحتياج وعدمه إليه أيضا ضرورة أنّ ما يحتاج في الوجود إلى شيء لا يمكن وجوده بدونه إلَّا أنّا نسلك أوّلا مسلك عدم الاحتياج تقريبا وتبعا لما عنون به المسألة في كلام جماعة ثمّ نتبعه بإثبات ما هو المحقّق الثّابت عندنا ببيان شاف كاف مزيل للشّك والارتياب عمّن يسلك مسلك الإنصاف
فنقول : لنا على عدم احتياج الحكم الوضعيّ إلى الجعل هو أنّا نشاهد بالضّرورة صحّة اعتبار الحكم الوضعي واستناده إلى الشارع مع صدور الحكم التّكليفي منه ليس إلَّا ومن هنا قد اشتهر بين الفقهاء سببيّة الدّلوك لوجوب الصّلاة ومانعيّة الحيض عن وجوبها ووجوب سائر العبادات وسببيّته لتحريم جملة من الأفعال وشرطيّة الاستطاعة لوجوب الحجّ مع أنّ الَّذي ورد من الشّارع ليس إلَّا أحكاما تكليفيّة في مواردها كما هو معلوم لكلّ من له أدنى تتبّع في الأدلَّة
لا يقال : مجرّد عدم صدور جعل الحكم الوضعيّ من الشارع في الظَّاهر لا يدلّ على عدم جعله واقعا لم لا يكون مجعولا واقعا أو مجعولا بنفس جعل الحكم التّكليفي فيكونان مجعولين بجعل واحد كالكلَّي والفرد وقد عرفت أنّ
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 67
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦٧