المحقّق الكاظمي من أنّ ادّعاء كون الحكم الوضعي عين الحكم التّكليفي وأنّ معنى سببيّة الدّلوك هو وجوب الصّلاة عنده مخالف لما نشاهد بالوجدان ونرى بالعيان من تغايرهما هذا وأنت بعد التأمّل فيما ذكرنا من الأمور وما ذكرنا في دليل المختار تعلم بفساد هذه الوجوه
أمّا الأوّل : فلأنّك قد عرفت أنّ الَّذي يحتاج إليه القائل بعدم الجعل هو وجود الحكم التّكليفي المتعلَّق بالمكلَّف ولو معلَّقا فإنّه إذا قال الشّارع يجب على كلّ بالغ عاقل غرامة ما أتلفه في حال صغره وجنونه ينتزع منه سببيّة الإتلاف للغرامة كما لو قال للمكلَّف أغرم ما أتلفته من غير فرق بينهما في الصّلاحيّة لانتزاع السّببيّة منهما أصلا فإنّ وجوب الغرامة المتعلَّق بالإتلاف حال الصّغر كوجوبها المتعلَّق بالإتلاف حال الكبر فيستفاد من كلّ منهما سببيّة الإتلاف على أنّه يمكن فرض وجود خطاب وتكليف في حال الصّغر أيضا لكن لا بالنّسبة إلى الصّبي بل بالنّسبة إلى وليّه ولا ريب في اكتفاء هذا المقدار أيضا ضرورة أنّ الَّذي يقتضيه قضيّة التبعيّة هو وجود حكم تكليفي يصلح لانتزاع الحكم الوضعي منه سواء كان متعلَّقا بنفس الفاعل أو بغيره ولا إشكال في صلاحيّة التّكليف المتوجّه إلى الوليّ بغرامة ما أتلفه الصّبي لانتزاع سببيّة إتلافه لوجوب غرامة الوليّ كما هو واضح
وأمّا الثّاني : فلأنّك قد عرفت وجود الصّارف للقضايا الظَّاهرة في الجعل وكونها إخبارا عن جعل الحكم التّكليفي محضا وهو حكم العقل باستحالة تعلَّق الجعل بالحكم الوضعيّ على ما عرفت تفصيل القول فيه في بيان دليل المختار
وأمّا الثّالث : فلأنّك قد عرفت أيضا أنّ أحدا لم يدّع اتّحاد الوضع والتّكليف مفهوما ضرورة استحالة ذلك على ما عرفت وقد عرفت أيضا أنّ مراد من عبّر بما هو ظاهره ذلك ليس ظاهره قطعا وإنّما هو في مقام نفي الجعل ليس إلَّا فراجع
ثمّ إنّه ربما يتمسّك لهذا القول أيضا بوجوه أخر ضعيفة مبنيّة على الخلط بين ما هو محلّ النّزاع وغيره فالإعراض عن ذكرها والقدح فيها أجدر وأمّا دليل القول بالتّفصيل فمركَّب عمّا ذكرنا وذكره القائل بالجعل مطلقا والجواب عنه ظاهر بعد
التّأمّل هذا مجمل القول في أصل المسألة
وأمّا الكلام في ثمرة الاختلاف فقد يذكر له وجوه من الثّمرات
أحدها : أنّه على القول بالجعل يجوز إجراء الاستصحاب في نفس الحكم الوضعي بخلاف القول بعدم الجعل فإنّه لا يجوز إجراء الاستصحاب فيه هذا وفيه أنّه لا فائدة في هذه الثمرة أصلا فإنّه على القول بعدم الجعل لو كان هناك حكم شرعي يترتّب على القول بالجعل يحكم بترتيبه على القول بعدم الجعل من جهة استصحاب منشأ انتزاعه وإن لم يجر الاستصحاب فيه لكنّه ينتزع من منشأ انتزاعه من حيث الحكم بوجوده في مرحلة الظَّاهر من جهة الاستصحاب
ثانيها : أنّه على القول بالجعل يصحّ نسبة الرّفع إليها في قوله رفع عن أمّتي تسعة وغيره بخلاف القول بعدم الجعل فإنّه لا معنى لنسبة الرّفع إليه حينئذ كما هو واضح والجواب عنه ما عرفته في الثّمرة السّابقة فإنّه وإن لم يمكن نسبة الرّفع إلى الحكم الوضعي على القول بعدم الجعل إلَّا أنّه يسند الرّفع أوّلا وبالذّات إلى منشأ انتزاعه القابل للجعل ويستلزمه رفعه أيضا هذا وقد مضى تفصيل القول في ذلك في الجزء الثّاني من التّعليقة فإن أردت الوقوف عليه فراجع إليه
ثالثها : أنّه على القول بالجعل يحكم بوجودها وتحقّقها في حقّ غير الكامل الجامع لشروط التّكليف كالصّبي والنّائم والغافل والمجنون والجاهل في الجملة بخلاف القول بعدم الجعل فإنّ وجودها تابع للتّكليف المنفيّ بالفرض ويتوجّه عليه ما أشرنا إليه سابقا من أنّه على القول بعدم الجعل يحكم بها في حقّ غير الكامل أيضا من جهة الخطاب المتوجّه إلى الكامل أو المتحقّق في حالة الكمال فهذه الثّمرة أيضا منتفية
رابعها : أنّه على القول بعدم الجعل يجوز الرّجوع إلى أصالة البراءة عند الشّك في ثبوتها كالشّك في الجزئية والشّرطية والمانعيّة وغير ذلك بإجراء الأصل المذكور في منشأ انتزاعها وعلى القول بالجعل
لا يمكن الرّجوع إلى أصالة البراءة بالنّسبة إلى أنفسها والرّجوع إلى أصالة البراءة بالنّسبة إلى الحكم التّكليفي لا يجدي على هذا القول لأنّ عدم الوضع ليس من أحكام عدم التّكليف شرعا حتّى يحكم من جهة نفيه ولو في مرحلة الظَّاهر بعدمه
نعم ؛ عدمه في مرحلة الواقع يلازم لعدم الوضع بناء على عدم الانفكاك بينهما وأين هذا من كونه من أحكامه الشّرعيّة ويتفرّع على هذا أنّه لو كان مبنى عدم وجوب الاحتياط في مسألة الأقلّ والأكثر على إمكان نفي الجزئية وعدمه تعيّن المصير إلى وجوب الاحتياط في تلك المسألة هذا
وفيه : أنّ ما ذكر من عدم الحكم بنفي الوضع من جهة نفي التّكليف وإن كان صحيحا وإن فرض كونه من أحكامه حيث إنّ مفاد البراءة ليس نفي التّكليف حتّى يترتّب عليه حكمه بل مجرّد المعذوريّة والتّرخيص في مرحلة الظَّاهر وليس الأمر كذلك على القول بعدم الجعل فإنّه ينتزع من التّرخيص في مرحلة الظَّاهر كما ينتزع من التّرخيص في مرحلة الواقع ولا يتوهّم كشف عدم الوضع عن البراءة أيضا حيث إنّها ليست إخبارا عن عدم الجعل حتّى يكون كاشفا عن عدم جعل الوضع بناء على عدم التّفكيك بينهما إلَّا أنّه لا يتفرّع عليه شيء لما عرفت في الجزء الثّاني من فساد التّفريع المذكور مع أنّه على القول بالجعل يرجع إلى أصالة العدم فيحكم بعدم وجوب الاحتياط من هذه الجهة فتأمّل
قوله : قدس سره هذا كلَّه مضافا إلى أنّه لا معنى لكون السّببيّة إلى آخره
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 69
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٦٩