تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
الصّدق والكذب حتّى يلاحظان بالنّسبة إليه ويطلق في الجملة على الطَّلب الَّذي هو عين الإرادة بمذهب أكثر المتكلَّمين وغيره بمذهب جماعة من المحقّقين وعينه على تقدير وغيره على تقدير آخر على مذهب الأستاذ العلَّامة ومرجع اختلافهم هذا إلى الاختلاف في المراد من الإرادة والطَّلب ولسنا في صدد تحقيقه في المقام وإنّما المقصود التّنبيه على كون الحكم من الموجودات الخارجيّة لأنّه فعل الحكم وقد يطلق على معان أخر كالنّسب الجزئية وخطاب اللَّه المتعلَّق بأفعال المكلَّفين وغيرهما ممّا ذكر في محلَّه الثّالث : أنّه لا ريب أنّ المركَّب على قسمين خارجيّ وحقيقيّ وجعليّ واعتباريّ والمراد من الثّاني هي الأشياء الغير الملتئمة في النّظر الملحوظة شيئا واحدا بلحاظ الجاعل أي تصوّره إيّاها بوصف الاجتماع لمدخليّة كلّ منها في حصول ما هو المقصود من المركَّب من الخواص والمصالح وقد ينقسم إلى الذّهني والخارجي ويجعل المراد من الثّاني ما يشمل الاعتباري بالمعنى الَّذي عرفته وهو ما كان أجزاؤه موجودة في الخارج سواء كانت من مقولة الذّات كالمعاجين وغيرها وهو المراد من الخارجي في التّقسيم الأوّل ليس إلَّا أو كانت من مقولة العرض والفعل وهو المراد من القسم الثّاني في ذلك التّقسيم ومنه يعلم المراد من المركَّب الذّهني أيضا وقد يكون لشيء واحد جزء ذهنيّ وجزء خارجيّ كالصّلاة مثلا بالنّسبة إلى الشّرط بناء على اعتبار تقييده في المشروط والجزء فإنّ الأوّل من الأوّل والثّاني من الثّاني الرابع : أنّ الحكم ينقسم في لسان جماعة إلى تكليفيّ ووضعيّ والمراد من الأوّل معلوم ومن الثّاني ما هو في مقابله والأوّل ينقسم إلى خمسة أقسام في الاصطلاح وهو الوجوب والتّحريم والنّدب والكراهة والإباحة باعتبار تعلَّقها بفعل المكلَّف وإن لم يصدق على جميعها التّكليف بحسب اللَّغة كما هو ظاهر هذا وأمّا ما يتوهّم من تعميم الحكم بالنّسبة إلى عدم كلّ من هذه الخمسة فهو كما ترى ناش من الغفلة عن كلماتهم بل عن حكم العقل فإنّ العقل يحكم أيضا بعدم قابليّة عدم الأحكام للجعل كما لا يخفى وأمّا الحكم الوضعي فقد اختلفوا في أقسامه فبعضهم على أنّها ثلاثة السّببيّة والجزئيّة والشّرطيّة وبعضهم على أنّها خمسة بزيادة الصّحة والفساد وبعضهم على أنّها ستّة بزيادة المانعيّة وبعضهم على أنّها تسعة وبعضهم على أنّها أربعة عشر وبعضهم على أنّها لا حصر لها لأنّ كلّ ما لم يكن من الحكم التّكليفي ممّا يصحّ جعله من الشّارع يدخل في الوضع فيشمل مثل الضّمان والملكيّة والحريّة والطَّهارة والنّجاسة إلى غير ذلك ويظهر ذلك من بعض أفاضل من تأخّر هذا ولكن قد ناقش فيه الأستاذ العلَّامة بأنّ مورد الحكم الشّرعي حسب ما يفصح عنه مقالتهم لا بدّ من أن يكون فعل المكلَّف ليس إلَّا ومورد المذكورات هي الأعيان الخارجيّة كما لا يخفى وهذا بخلاف مورد الأحكام المعروفة فإنّه من هذا القبيل هذا ويمكن المناقشة فيما ذكره بأنّه قد اشتهر بينهم تمثيل السّببيّة بالدّلوك والمانعيّة بالحيض حسب ما اعترف به سابقا مع أنّ الدّلوك والحيض ليسا من الأفعال مع أنّ من الأحكام الوضعيّة ما لا يمكن عروضه للفعل أبدا كالشّرطيّة على ما اختاره الأستاذ العلَّامة من كونها من مقولة الكيف فعلم ممّا ذكرنا أنّ إطلاق كلّ من الحكمين على مورده ومتعلَّقه مبنيّ على المسامحة لا محالة الخامس : أنّه لا نزاع لأحد في أنّ الأمر بالمركَّب سواء كان خارجيّا أو ذهنيّا وكذا بذي السّبب إلى غير ذلك يستلزم تصوّر أجزائه الذّهنيّة والخارجيّة وسببه كقوله تعالى أقم الصّلاة لدلوك الشّمس إلى غسق اللَّيل فتصوّر نفس الأجزاء والشّرائط والأسباب وغيرها من موارد الأحكام الوضعيّة ممّا لم ينكره أحد وفي أنّه ممّا لا بدّ منه ولكنّه لا دخل له بالحكم الوضعي وبكونه مجعولا في قبال الحكم التّكليفي وكذا لا نزاع لأحد في أنّه بناء على مذهب العدليّة يكون لكلّ من الأجزاء والشّرائط والأسباب ونحوها مدخليّة في مصلحة المأمور به حتّى يتحقّق الارتباط بينها وبينه وإلَّا لزم التّرجيح بلا مرجّح في التّخصيص كما لا يخفى وهذا أيضا ممّا لم ينكره أحد ولا دخل له أيضا بالحكم الوضعيّ أصلا بل هو نظير نفس الأجزاء والشّرائط وغيرهما من الموجودات الخارجيّة الَّتي لا ربط لها بجعل الشارع وكذا لا نزاع في اختلاف الحكم التّكليفي والوضعي مفهوما وعدم اتحادهما إذ هو ممّا لا يدّعيه جاهل فضلا عن عالم كيف وتغايرهما مفهوما من البديهيّات الأوّليّة وإنّما النّزاع في أنّ الأحكام الوضعيّة هل هي مجعولة بالجعل الشّرعي كالأحكام التّكليفيّة سواء كان جعل كلّ من التّكليف والوضع بجعل مستقلّ أو بجعل واحد وعلى القول بجعل الأحكام الوضعيّة في قوله تعالى أقم الصّلاة لدلوك الشّمس أنشأ الشّارع وأوجد شيئين أحدهما وجوب الصّلاة عند الدّلوك ثانيهما سببيّة الدّلوك لوجوب الصّلاة وكذا في قوله للحائض دعي الصّلاة أيّام أقرائك أنشأ إنشائين أحدهما حرمة الصّلاة حال الحيض ووجوب تركها ثانيهما مانعيّة الحيض عن وجوب الصّلاة وهكذا الأمر في سائر الأحكام الوضعيّة أو أنّ المجعول بجعله هو نفس الحكم التّكليفي ليس إلَّا وأمّا الحكم الوضعي فإنّما هو اعتبار يعتبره المعتبر بعد جعله للحكم الشّرعي على وجه خاصّ فالمنشأ بالإنشاء الشّرعي في قوله أقم الصّلاة الآية ليس إلَّا وجوب الصّلاة عند دلوك الشّمس إلَّا أنّ
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 66 | ميرزا محمد حسن الآشتياني