تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
الثّاني قد يكون مقتضيا لأصل الوجود مؤثّرا فيه وقد يكون مقتضيا للعلم به مع عدم تأثير في الوجود أصلا وبعبارة أخرى : قد يكون واسطة في الثّبوت وقد يكون واسطة في الإثبات محضا بمعنى أنّه لا يكون مؤثّرا في الثّبوت أصلا حيث إنّ كلّ ما يكون واسطة في الثّبوت يكون واسطة في الإثبات أيضا بمعنى أنّ العلم به يستلزم العلم بالمثبت ولكن لا عكس إذ ربما يكون الشّيء واسطة في الإثبات ولا يكون واسطة في الثّبوت كأكثر وسائط معلوماتنا والثّاني يسمّى بالدّليل الإنّي والأوّل يسمّى بالدّليل اللَّمي إن لوحظ من حيث التّوسّط في الإثبات وإلَّا فلا يسمّى دليلا وبهذه الملاحظة جعله الأستاذ العلَّامة مقابلا للدّليل حيث إنّ جهة تأثيره في الوجود ليست من جهة الدّليليّة حيث إنّ معنى الدّليل هو الواسطة في العلم فإذا عرفت معنى المقتضي وإطلاقاته فنقول إنّه لا يخلو إمّا أن يريد المستدلّ من قوله المقتضي للحكم الأوّل ثابت هو العلَّة التّامّة أو السّبب الأصولي وعلى كلّ تقدير إمّا أن يريد من ثبوته هو الثّبوت في الزّمان الأوّل أو الثّبوت في الزّمان الثّاني فإن كان المقصود منه هو العلَّة التّامّة سواء كانت علَّة لأصل الشّيء أو للعلم به فلا بدّ من أن يكون مراده من ثبوتها هو الثّبوت في الزّمان الأوّل ضرورة أنّ ثبوتها في الزّمان الثّاني لا يجامع الاستصحاب واحتمال وجود الرّافع كما هو المفروض في كلامه وحينئذ يرد عليه أنّ مجرّد وجود العلَّة في زمان لا يقتضي بوجود المعلول في جميع الأزمنة وليس هنا دليل على وجوب البناء على وجود المعلول فيما لا يثبت وجود العلَّة من الأزمنة بمجرّد وجودها في الزّمان السّابق لا من العقل ولا من الشّرع فلو فرض قيام دليل عليه فلا تعلَّق له بالدّليل المذكور أصلا كما لا يخفى وبالجملة لا يظنّ أن يكون هذا المعنى مراد المستدلّ بل يقطع بعدم إرادته له وإن كان المقصود منه المقتضي بالمعنى الثّاني أي السّبب فلا بدّ من أن يكون مراده من ثبوته كما يشهد به سياق العبارة هو الثّبوت في الزّمان الثّاني إذ ثبوته في الزّمان الأوّل لا ينفع بالأولويّة القطعيّة وأمّا لزوم إرادته لوصف الاقتضاء على هذا التّقدير كما جزم به الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه فليس له معنى محصّل بل ربما لا يجوز إرادته لأنّه إن كان المراد من الاقتضاء هو الاقتضاء الذّاتي والثّاني فلا يخفى أنّه لا ينفكّ عن وجود السّبب بعد فرض كونه سببا أينما وجد وإن كان المراد الاقتضاء الفعلي فهو لا ينفك عن وجود العلَّة التّامّة فلا معنى لإرادته فإذا كان المقصود هو وجود المقتضي بالمعنى الثّاني في الزّمان الثّاني فيرد عليه أوّلا أنّه أخصّ من المدّعى حيث إنّه أعمّ من موارد الشّك في البقاء من جهة الشّك في المقتضي وهذا الدّليل على فرض تماميّته لا يدلّ إلَّا على اعتبار الاستصحاب في الشّكّ في الرّافع وثانيا أنّ مجرّد معارضة احتمال الرّافع احتمال عدمه كيف يصلح للحكم بثبوت المقتضي بالفتح لأنّ المراد من التّساقط إن كان هو تساقط الاحتمالين وارتفاعهما فهو ممّا لا يعقل له معنى لأنّ الشّك بحسب الموضوع قائم بهما ومن هنا يعلم أنّ إطلاق التّعارض هنا مبنيّ على التّسامح ضرورة أنّه لا تنافي بين نفس احتمال وجود الشّيء وعدمه وإلَّا لم يجتمعا كما لا يخفى هذا مضافا إلى أنّ تساقطهما لا يلزم أن يكون موجبا للقطع ببقاء المقتضى بالفتح لم لا يكون موجبا للقطع بعدم بقائه وإن كان هو سقوط المحتملين عن الاعتبار حتّى لا يحكم بوجود الرّافع ولا بعدمه ولا برافعيّة الموجود ولا بعدمها فنتيجة ذلك ليس هو الحكم بعدم الرّافعيّة وبقاء المقتضى بالفتح بل التّوقف عن الحكم بالبقاء وعدمه وعدم الحكم بأحدهما وإلَّا كان ترجيحا لأحدهما على الآخر وهو خلاف فرض تساقطهما بالمعنى الَّذي عرفته والحاصل أنّ نتيجة هاتين المقدّمتين ليست اعتبار الاستصحاب والحكم بمقتضى الحالة السّابقة بل عدم الحكم باعتباره ثمّ إنّ ظاهر هذا الدّليل لمّا كان هو القطع بثبوت المقتضي حسب ما ذكره الأستاذ العلَّامة دامت إفادته من جهة ظهور تساقط الاحتمالين في ارتفاعهما مراد المستدلّ ليس هذا قطعا وإلَّا لخرج عن الاستصحاب تمحّلوا لتوجيهه بوجوه أحدها : أن يكون المراد من قوله فيجب الحكم بثبوته هو الحكم الظَّنّي بالثّبوت لا القطعي حسب ما اعترف به في المعارج في أجوبة النّافين وصرّح برجحان البقاء وربما يحكى إبدال قوله فيجب الحكم بثبوته بقوله فيظنّ به في المقام أيضا فيصير مرجع هذا الدّليل إلى دليل آخر ذكره العضدي وغيره وهو أنّ ما ثبت في وقت ولم يظنّ عدمه فهو مظنون البقاء لأنّ معنى الحكم الظنّي بالبقاء ليس إلَّا الظَّن بالبقاء على ما عرفته في طيّ كلماتنا السّابقة في تعريف الاستصحاب في توجيه ما ذكره الفاضل القمي رحمه الله وسيجئ الكلام على هذا الكلام صغرى وكبرى مضافا إلى خروجه عن التّمسك بنفس ثبوت المقتضي في الزّمان الثّاني والشّك في وجود الرّافع حسب ما هو مقتضى الدّليل على بعض التّقادير كما لا يخفى ثانيها : أن يكون المراد من قوله فيجب الحكم بثبوته هو الحكم بثبوته تعبّدا عقليّا من جهة استقرار بناء العقلاء على عدم الاعتناء باحتمال الرّافع بعد إحراز وجود المقتضي وفيه مضافا إلى كونه خروجا أيضا عن قضيّة الدّليل ومبنيّا على مقدّمة أخرى حسب ما صرّح به الأستاذ العلَّامة أنّ دعوى بناء العقلاء في أمورهم على مجرّد التعبّد
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 47 | ميرزا محمد حسن الآشتياني