بجعل اليقين بمعنى المتيقّن حتّى يصير مجازا في الكلمة كما قد يتوهّم أو بتقدير الأحكام كما يتخيّل على التّقدير الثّاني بل بإرادتهما من نسبة النّقض إلى اليقين فالتّصرف إنّما هو في النّسبة كما عرفته في حديث الرّفع أيضا وإن كان المختار من الوجهين إرادة المتعلَّق من نسبة النّقض إلى اليقين لا الأحكام كما ستقف عليه فبعد هذا إذا دار الأمر بين أن يجعل المتعلَّق أو أحكامه عامّا أو يجعل المراد خصوص ما من شأنه البقاء والاستمرار لولا الرّافع فلا إشكال في كون الثّاني أقرب فتعيّن الحمل عليه
ثمّ إنّ الفرق بين المانع والرّافع والدّافع هو أنّ الأوّل أعمّ من الأخيرين لأنّ ما يمنع وجوده عن تأثير المتقضي ابتداء يسمّى دافعا وما يمنع وجوده عن تأثير المتقضي في الزّمان الثّاني بعد تأثيره في الزّمان الأوّل يسمّى رافعا فالرّافع والدّافع وإن تباينا بحسب الحقيقة إلَّا أن كلَّا منهما فرد من المانع لأنّ رفع الموجود حقيقة بعد وجوده محال حسب ما تقرّر في محلَّه فعدم الرّافع أيضا جزء من العلَّة التّامّة للوجود لكن بالنّسبة إلى الوجود الثّانوي لا الأوّلي فكلَّما يطلق الرّافع فلا يراد منه بحسب الحقيقة إلَّا هذا المعنى إذ لا حقيقة له غير هذا إذ إعدام الموجود حقيقة محال
قوله : ويمكن أن يستفاد من بعض الأمارات إرادة المعنى الثّالث إلخ
أقول : ما سمعت من الكلام كلَّه إنّما هو في بيان وجه اختصاص الأخبار المشتملة على النّهي عن نقض اليقين بالشّك بالشّك في الرّافع والكلام في المقام في بيان اختصاص سائر الأخبار الواردة في الباب به حيث إنّها مختلفة فبعضها مشتمل على لفظ المضي وبعضها على لفظ الدّخل والاختلاط وبعضها على لفظ دفع الشّك باليقين وبعضها على نقض الشّك باليقين وعدم الاعتداد به في حال من الحالات إلى غير ذلك فقد يقال إنّ المقصود منها هو المعنى الثّالث حيث إنّ الظَّاهر منها كما لا يخفى لمن تأمّل فيها هو أنّ نفس تقابل اليقين السّابق والشّك اللَّاحق بقول مطلق موجب للالتزام بمقتضى اليقين السّابق من غير فرق بين الشّك في المقتضي والشّكّ في الرّافع بل مورد بعضها مختصّ بالشّك في المقتضي كما في المكاتبة فإنّ مورده استصحاب بقاء الشّعبان والرّمضان ومن المعلوم أنّ الشّك فيهما ليس من قبيل الشّك في الرّافع بعد إحراز المقتضي حيث إنّ المستصحب فيهما نفس الزّمان الَّذي لا رافع له بل يتجدّد شيئا فشيئا بل ستقف على الإشكال في تحقّق الاستصحاب موضوعا في الزّمان والزّماني وكيف يكون الشّك فيهما من الشّك في الرّافع وكذلك قوله في صحيحة زرارة بل تنقض الشّك باليقين صريح في عدم إرادة المعنى الثّاني ضرورة أنّ الشّك ليس له مقتضي البقاء حتّى يشكّ في رافعه بل لا معنى له في المقام للقطع بوجوده فالمراد منه مجرّد رفع اليد عنه باليقين السّابق فيكون المراد من قوله في صدرها فإنّ الشّك لا ينقض اليقين بقرينة المقابلة هو هذا المعنى وبالجملة على تقدير تسليم ظهور الأخبار النّاهية عن نقض اليقين في الشّك في الرّافع لا بدّ من رفع اليد عنه بقرينة سائر الأخبار الظَّاهرة في التّعميم أو من إبقائها على ظاهرها والعمل بغيرها في الشّك في المقتضي أيضا لعدم التّنافي بينهما كما لا يخفى هذا ويمكن القول بعدم ظهورها في التّعميم وعدم صلاحيّتها لصرف الأخبار المذكورة عن ظاهرها حسب ما ذكره الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه في الكتاب أمّا ما اشتمل عليه لفظ المضي على اليقين السّابق كالمرويّ عن الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام فلأنّ الظَّاهر من المضي على اليقين السّابق
هو الجري على مقتضاه وعدم رفع اليد عنه إلَّا برافع لأنّ الظَّاهر من لفظ المضيّ كلَّما يطلق هو الجري على الدّاعي السّابق وعدم التوقّف إلَّا لصارف فيتّحد مع الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك مفهوما هذا مضافا إلى ما ذكره في الكتاب من عدم دلالة الرّواية على اعتبار الاستصحاب أصلا حتّى في الشّك في الرّافع لما قد تقدّم أنّ الظَّاهر منها قاعدة أخرى غير الاستصحاب هذا ولكنّك قد عرفت منّا ومن الأستاذ العلَّامة تماميّة دلالتها على اعتبار الاستصحاب وظهورها فيه غاية الظَّهور فراجع فالأولى ما ذكرنا وذكره الأستاذ العلَّامة أوّلا من ظهور لفظ المضي في الشّك في الرّافع أيضا إمّا لما عرفت أو بملاحظة تعليله عليه السلام بقوله فإنّ الشّك لا ينقض اليقين أو اليقين لا يدفع بالشّك فإنّ ظاهرهما كما لا يخفى الاختصاص بالشّك في الرّافع ومنه يظهر عدم ظهور ما اشتمل على لفظ الدّفع في المعنى الثّالث وأمّا ما اشتمل على لفظ الدّخل والدّخول كما في المكاتبة فلأنّ الظَّاهر من دخل الشّيء في الشّيء هو تصرّفه فيه ومن المعلوم أنّ هذا لا يطلق فيما لم يكن له مقتضي الثّبوت كما هو واضح وبه يرفع اليد عن ظهور مورده ويجعل صارفا عنه لو سلَّم أنّ الظَّاهر منه استصحاب الزّمان المختصّ بالشّك في المقتضي ولا يمكن العكس لأنّ ظهور العلَّة مقدّم على ظهور المعلول فيقال إنّ المتفرّع عليه هو استصحاب ما من شأنه البقاء لولا الرّافع أمّا بالنّسبة إلى يوم الشّك قبل الرّمضان فيجعل المستصحب هو عدم وجوب الصّوم وأمّا بالنّسبة إلى يوم الشّك في آخره فيجعل المستصحب هو الاشتغال أو عدم انقضاء الرّمضان أو عدم دخول الشّوال إلى غير ذلك من الاستصحاب العدميّة الرّاجعة إلى الاستصحاب في الشّك في الرّافع هذا ملخّص ما ذكره الأستاذ في الرّسالة وفي مجلس البحث لتوجيه مورد الرّواية وتطبيقها على المدّعى ويمكن الخدشة فيه أمّا فيما ذكره بالنّسبة إلى يوم الشّك قبل الرّمضان فبأنّه لا محصّل لاستصحاب عدم التّكليف الراجع إلى استصحاب
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 44
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٤٤