إلَّا أنّا نذكر بعضها منها تيمّنا
فمنها : ما رواه الصّدوق في الفقيه والشّيخ في التّهذيب عن محمّد بن حكم قال سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن القرعة في أيّ شيء فقال كلّ مجهول ففيه القرعة فقلت له أنّ القرعة تخطئ وتصيب فقال كلّ ما حكم اللَّه تعالى به فليس بمخطئ قال بعض من قارب عصرنا من الأفاضل بعد نقل الحديث أنّه يحتمل معنيين أحدهما أنّ حكم اللَّه تعالى لا يخطئ في القرعة أبدا الثّاني أنّ ما خرج بالقرعة فهو حكم اللَّه وإن أخطأت القرعة فإنّ الحكم ليس بخطاء
ومنها : مرسلة الفقيه عن الصّادق عليه السلام فقال ما تقارع قوم ففوّضوا أمرهم إلى اللَّه تعالى إلَّا ما خرج سهم الحقّ وقال أيّ فقيه أعدل من القرعة إذا فوّض أمره إلى اللَّه تعالى أليس اللَّه تعالى يقول فساهم فكان من المدحضين
ومنها : ما رواه في التّهذيب صحيحا عن جميل قال قال الطَّيار لزرارة ما تقول في المسامهة أليس حقّا قال زرارة هل هي حقّ فقال الطَّيار أليس قد ورد أنّه يخرج سهم الحقّ قال بلى قال فقال يقال حتّى ادّعى أنا وأنت شيئا ثمّ تشاهم عليه وينظر هكذا هو فقال زرارة إنّما جاء الحديث بأنّه ليس قوم فوّضوا أمرهم إلى اللَّه تعالى ثمّ أقرعوا إلَّا ما خرج سهم الحقّ فأمّا على التّجارب فلم يوضع على التّجارب فقال الطَّيار أرأيت إن كانا جميعا مدّعيين ادّعيا ما ليس لهما من أن يخرج سهم أحدهما فقال زرارة إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح فإن كانا ادّعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح إلى غير ذلك من الرّوايات
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى التّكلم في المقامات الثّلاثة فنقول
أمّا الكلام في المقام الأوّل : فملخّصه أنّه قد يقال بل قيل إنّ القرعة من الأمارات الجليّة بمعنى أنّ أماريّتها بجعل الشارع كالاستخارة فأماريّتها إنّما هي بملاحظة ما وصل من الشّارع في شأنها أنّ اللَّه تبارك وتعالى بعد تفويض الأمر إليه يرشد العبد إلى الواقع لا ممّا يكون أماريّتها بالوجدان مع قطع النّظر عن الشّارع كأكثر الأمارات في الأحكام والموضوعات مستشهدا على ذلك بما ورد في القرعة من الأخبار فإنّ ظاهر أكثرها كما لا يخفى على من أعطي حقّ النّظر فيها يعطى هذا المعنى فالقرعة إذا مثل البيّنة في كونها من الأمارات لا مثل أصالة الطَّهارة والحليّة ونحوهما من الأصول فإنّ تسميّة الشّيء دليلا وأمارة في الاصطلاح مبنيّة على كونه ناظرا إلى الواقع بالذّات أو بجعل الشارع مع كون الوجه في اعتباره جهة نظره إلى الواقع هذا بالنّسبة إلى ما كان له واقع مجهول للمكلَّف لا إشكال فيه أمّا بالنّسبة إلى ما لا يتعيّن له واقع فربما يتراءى في بادي النّظر عدم تصوّر الطَّريقيّة الجليّة فيه من حيث عدم وجود واقع مجهول فيه بالفرض إلَّا أنّه يمكن تصوّر الطَّريقيّة فيه بعد التّأمّل أيضا فإنّه وإن لم يكن فيه واقع مجهول إلَّا أنّه يحتمل أن يكون هناك أمور أوجبت أحقيّة أحد الطَّرفين بالتّقديم بالنّسبة إلى الآخر وإن كانت ممّا لا ندركه اللَّهمّ إلَّا أن يدّعى أنّ الأمارة في اصطلاح الأصوليّين ما كانت أماريّتها بالذّات مع قطع النّظر عن بيان الشارع وإحداثه القرب فيها ؛ فتأمّل
أو يقال الأولويّة في التّقديم لا تعلَّق لها بالطَّريقيّة أو يقال بعدم حصول الظَّن من القرعة ولو نوعا بعد ملاحظة ما ورد من الأخبار فيه وهو
كما ترى هذا كلَّه على تقدير الاستناد في القرعة إلى الأخبار أمّا لو استند فيها إلى الإجماع فالظَّاهر أنّه لا إشكال في عدم دلالته على اعتبارها من باب الطَّريقيّة فيلحق بما كان اعتباره من باب التّعبّد في الحكم كما هو قضيّة القاعدة فتأمّل
ثمّ إنّه لا إشكال على تقدير كون اعتبار القرعة من باب التّعبّد وكونها من الأصول في عدم انتقاض الحصر الَّذي أفاده دام ظلَّه للأصول في أوّل الكتاب من جهتها لما عرفت الإشارة إليه ثمّة من كون الحصر إضافيّا بالنّسبة إلى الأصول الحكميّة وإن جرت في الموضوعات في قبال ما يختصّ بالموضوع
نعم ؛ في انتقاضه بأصالة الطَّهارة وجه عرفته في الجزء الأوّل من التّعليقة هذا مجمل الكلام في المقام الأوّل
ولنقدّم الكلام في
المقام الثّالث : على الكلام في المقام الثّاني لتقدّمه عليه ببعض الاعتبارات ومجمل القول فيه أنّه قد تكرّر في لسان ثاني الشّهيدين في المسالك والرّوضة القول باختصاص القرعة بما له تعيّن في الواقع مجهول في نظر المكلَّف وقد استند فيه ظاهرا إلى ظهور الأخبار في ذلك حسبما هو ظاهر لكلّ من راجع إليها ولكنّ الَّذي يقتضيه النّظر تبعا للأستاذ العلَّامة دام ظلَّه وبعض الأجلَّة ممّن قارب عصرنا ثبوت الإجماع على عدم الفرق إذ المراد من عدم الخطاء في أخبار القرعة أعمّ من الإيصال إلى الواقع المجهول أو الَّذي أحقّ بالتّقديم في نظر الشارع هذا مضافا إلى أمر الإمام عليه السلام بالإقراع في كثير من الموارد الَّتي ليس فيها واقع مجهول أصلا والظَّاهر عدم التّفصيل وبالجملة كلّ من راجع كلمات الأصحاب يعلم أنّه لا فرق في اعتبار القرعة بين الموردين وهو مقتضى بعض الأخبار العامّة أيضا ولا ينافيه اختصاص أكثر أخبارها بما له واقع مجهول ضرورة عدم مفهوم لها يعارض ما يقتضي بعموم اعتبارها هذا مجمل الكلام في تشخيص مجراها بالنّسبة إلى الموردين بقي الكلام في تشخيص مجراها من حيث اختصاصها بالشّبهات الموضوعيّة الصّرفة أو شمولها لكلّ مشتبه سواء كان من الموضوعات الخارجيّة أو الموضوعات المستنبطة أو الأحكام الشّرعيّة لا إشكال بل لا خلاف في اختصاصها بالأولى بل الإجماع المحقّق على
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 219
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢١٩