لكن هذا كلَّه خلاف التّحقيق الثّابت عندنا وإن ذكره جمع كثير فإنّه لا مستند للأصل المذكور أصلا إلَّا بناء العرف والعقلاء على ما أسمعناك مرارا وليس ممّا له تعلَّق بالشّرع وإن أمضاه الشارع في محاوراته وخطاباته
قوله : نعم يمكن أن يدّعى أنّ الأصل في خبر العدل الحجّيّة إلى آخره
أقول : لا يخفى أنّ هنا مقامات
أحدها : أنّ الأصل في خبر المسلم الحجيّة أم لا ذهب ذاهب إلى ثبوت الأصل المذكور وربما ينسب إلى الشّيخ رحمه الله والنّسبة في غير محلَّه وعلى تقدير ثبوتها فهو من جهة ذهابه إلى أنّ الأصل في المسلم العدالة من حيث ظهور الإسلام فيها لا أنّ الأصل في خبر المسلم الحجّية وإن كان فاسقا وهذا الأصل لم يثبت عندنا بل الثّابت بمقتضى آية النّبأ وغيرها عدمه
ثانيها : أنّ الأصل في خبر العادل الحجيّة أم لا ذهب جماعة إلى ثبوت الأصل المذكور مطلقا في الأحكام والموضوعات إلى أن يجيء المخرج كما في مقام التّرافع وغيره في الجملة والحقّ عدم ثبوت الأصل المذكور أيضا لعدم الدّليل عليه وقد عرفت تفصيل القول فيه في الجزء الأوّل من التّعليقة
ثالثها : أنّ الأصل في خبر العدلين الحجيّة أم لا ذهب جماعة كثيرة إلى ثبوته سيّما بالنّسبة إلى الموضوعات وتمسّكوا له بالاستقراء والإجماع وبجملة من الأخبار المدّعى ظهورها في المدّعى والحقّ إمكان الخدشة في الأصل المذكور أيضا وليس المقام مقام بسط القول فيه
رابعها : أنّ الأصل في خبر أربعة عدول الحجيّة أم لا والظَّاهر أنّه لا إشكال في ثبوته بالنّسبة إلى الموضوعات وأمّا الأحكام فلا وتفصيل القول في الشّرح المذكور يظهر من الرّجوع إلى ما ذكرناه في الجزء الأوّل من التّعليقة
قوله : الرّابع أنّ الأصل في اعتقاد المخبر الصّحة إلخ
أقول : لا يخفى ما في العبارة من التّشويش والاضطراب فإنّ مقتضى القاعدة أن يذكر بدلها وأمّا الاعتقادات فالصّحة فيها يكون من وجهين والأمر سهل
قوله : وأمّا إذا شكّ في صحّته بمعنى المطابقة للواقع إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ الاعتقاد من هذه الحيثيّة كالإخبار من حيث احتمال الصّدق والكذب فيه ومن المعلوم أنّ أمره أشكل من أمر الخبر حيث إنّه توهّم فيه ثبوت بعض ما يدلّ عموما على وجوب الحمل على الصّدق بالنّسبة إليه كقوله إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم وغيره والقول بأنّ المراد ممّا دلّ على وجوب تصديق المسلم في إخباره هو تصديقه في اعتقاده من أيّ طريق انكشف قولا كان أو فعلا أو غيرهما إذ لا مدخليّة لخصوص لفظه لا يخفى ما فيه وستقف بعض الكلام على هذا فيما بعد إن شاء اللَّه تعالى
قوله : فلو ثبت ذلك أوجب ذلك حجيّة كلّ خبر أخبر به لما عرفت أنّ الأصل في الخبر كونه كاشفا عن اعتقاد المخبر أمّا لو ثبت حجيّة خبره إلخ
أقول : لا يخفى عليك وضوح ما ادّعاه الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه من الملازمة بين حجيّة الاعتقاد سواء كان في الحدسيّات أو في الحسيّات وحجيّة خبره من غير عكس لما عرفت من قيام الدّليل القطعي على كون الأصل في الخبر أن يكون على طبق اعتقاد المخبر وهو طريق إلى اعتقاده عند العقلاء بحيث لا يلتفتون إلى احتمال خلافه والقول بمنع الملازمة من جهة إمكان اعتبار كاشف آخر غير القول كالكتابة ونحوها ممّا لا يخفى فساده وهذا بخلاف الخبر فإنّه ربما تكون الحجّة في الشّرع تعبّدا خصوص خبره وقوله بحيث لو علم اعتقاده من دون أن يخبر عنه لم يترتّب عليه أثر أصلا بل ربما يقوم الدّليل على اعتبار قسم خاصّ من خبره مثل أن يقوم الدّليل على اعتبار إخباره عن نفس الواقع دون إخباره عن اعتقاده بثبوت الشّيء في الواقع كما ربما يدّعى في باب القضاء بالنّسبة إلى بعض المقامات وبالجملة لا إشكال في ثبوت اعتبار الخبر من حيث إنّه خبر في الجملة في الشّرعيّات دون الاعتقاد بحيث لا مجال لإنكاره كما في باب الشّهادات كما أنّه لا إشكال في ثبوت اعتبار الاعتقاد في الجملة فإن علم من الدّليل كون المناط هو الاعتقاد كما في اعتقاد المجتهد في خصوص المقلَّد فإنّ المعتبر في حقّه هو خصوص اعتقاده ونظره وإن لم يظهره أصلا لأنّ الحجّة في حقّه وحقّ مقلَّديه أمر واحد فلا إشكال كما أنّه إذا علم من الدّليل خصوصيّة لخصوص الخبر لم يكن إشكال أيضا كما في باب الدّعاوي إنّما الإشكال في صورة الدّوران وعدم قيام دليل بالخصوص على أحدهما فهل قضيّة القاعدة بالنّسبة إلى ما دلّ على حجيّة خبر العادل أو العدلين عموما الاقتصار على خصوص إخباره أو يتعدى إلى كلّ ما يكشف عن اعتقاده من الفعل والكتب الَّذي ربما يسمّى إخبارا مسامحة والإشارة أو يحكم بأنّ المناط نفس اعتقاده ولو كشف بالإلهام أو لم يكشف أصلا إذا وقع العمل على طبقه فيما لا يحتاج إلى قصد التّقرّب فيقال بكونه موجبا للبراءة من الواقع وجهان مقتضى مراعاة قواعد اللَّفظ والأخذ بظواهرها هو الأوّل فيبنى عليه حتّى يعلم من الخارج خلافه ضرورة عدم صدق
الخبر على سائر الكواشف وعلى مجرّد الاعتقاد كما أنّ الأمر كذلك فيما لم يكن ثمّة ظاهر يقتضي ما ذكرنا أيضا لأنّ المتيقّن هو الاقتصار على الخبر فيرجع إلى أصالة عدم الحجيّة عند الشّكّ كما هو واضح ولكن ذكر الأستاذ العلَّامة أنّه لا يبعد القول بالثّاني سيّما إذا علمنا أنّه بمثابة لو سألناه لأخبر لأنّ مقتضى الجمود على أدلَّة حجيّة الخبر وإن كان هو القول بعدم اعتبار غير ما يصدق عليه الخبر كائنا ما كان إلَّا أنّ مقتضى التّأمل فيها كون المراد منها إثبات اعتبار اعتقاده على النّحو المذكور بأيّ طريق حصل العلم به
وأيّد ما ذكره
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 217
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢١٧