المقصود من الأصل المذكور بالنّسبة إلى فعل المسلم أيضا
نعم ؛ ما يدلَّان عليه من وجوب نفي فعل القبيح وحرمة ظنّ السّوء مختصّ بفعل المسلم على ما عرفت الإشارة إليه في طيّ كلماتنا السّابقة أيضا هذا كلَّه مضافا إلى إمكان دعوى الإجماع قولا من كلماتهم أيضا
وقد صرّح كاشف الغطاء بعدم الفرق في الأصل المذكور بين فعل المسلم والكافر وأرسله إرسال المسلَّمات ولم يشر إلى مخالف فيه أصلا وإن كان في استدلاله على ذلك بأصالة السّلامة في جميع الموجودات نظر قال قدس سره البحث السّادس والثّلاثون في أنّ الأصل فيما خلقه تعالى من الأعيان من عرض أو جوهر حيوان أو غير حيوان صحّته وكذا ما أوجده الإنسان البالغ العاقل من أقوال أو أفعال فيبنى فيها على وقوعها على نحو ما وظَّفت له وعلى وفق الطَّبيعة الَّتي اتخذت لها من مسلم مؤمن أو مخالف أو كافر كتابي أو غير كتابيّ فيبنى إخباره ودعاويه على الصّدق وأفعاله وعقوده وإيقاعاته على الصّحة حتّى يقوم شاهد على الخلاف إلَّا أن يكون في مقابلة خصم وساق الكلام إلى أن قال وتفصيل الحال أنّ الأصل في جميع الكائنات من جمادات أو نباتات أو حيوانات أو عبادات أو عقود أو إيقاعات أو غيرها من إنشاءات أو إخبارات أن يكون على نحو ما خلقت عليه حقيقتها من التّمام في الذّات وعدم النّقص في الصّفات وعلى طور ما وضعت له بارئها على وجه ترتّب آثارها فيها على معانيها من صدق الأقوال وترتّب الآثار على الأفعال انتهى كلامه رفع مقامه
ثمّ ذكر وجه افتراق المسلم عن الكافر بوجوه أربعة يرجع حاصل أحدها إلى أنّه لا دليل على نفي القبيح عن الكافر بخلاف المسلم وحاصل باقيها أنّ الأصل المذكور إنّما هو ثابت بالنّسبة إلى فعل المسلم في الجملة لا مطلقا حتّى فيما ثبت عدم صحّة فعله وترتّب الأثر عليه أو يحمل على كونه صحيحا في مذهبنا وأنت خبير بأنّ ما ذكره قدس سره من أنّ الأصل في جميع الموجودات الصّحة مستندا إلى ما يرجع حاصلة إلى أنّ الفساد إنّما يطرأ على الموجود مطلقا وإلَّا فهو بالنّظر إلى ذاته وطبيعته يقتضي الصّحة والسّلامة عن النّقض وإن لم يكن خاليا عن النّظر بل المنع على ما ستقف عليه أيضا وصرّح به جماعة إلَّا أنّ المقصود من ذكر كلامه تحقيق ما حكينا عنه
الثّاني : أنّه صرّح الأستاذ العلَّامة في مجلس البحث بجريان أصالة الصّحة في فعل الغير البالغ أيضا فيما يقسم فعله إلى قسمين ويكون له صحيح وفاسد كهبة من بلغ عشر سنين وصدقته ووقفه وعتقه على القول بصحّتها منه في الجملة والظَّاهر أنّ الأمر كما ذكره دام ظلَّه وإن كان خلاف ظاهر كلماتهم في بادي النّظر لكنّه غير مناف له بعد التّأمل فيها وبالجملة يدلّ على ما استظهرناه وصرّح به الأستاذ العلَّامة جريان السّيرة على حمل فعله على الصّحيح فيما كان له صحيح عند دوران الأمر بين الصّحيح والفاسد وهذا ظاهر لا سترة فيه عند التّأمّل إن شاء اللَّه لكن الصّبي مثل الكافر في خروجه عن تحت الكتاب والسّنة بالنّسبة إلى ما يستفاد منهما لأنّ الظَّاهر منهما نفي فعل القبيح عن الأخ والمسلم ومن المعلوم أنّ هذا المدلول لا دخل له بالصّبيّ من وجه أو وجهين فتدبّر
الثّالث : أنّه لا إشكال في أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في الباب هو نفي الأمر القبيح عن المسلم بالمعنى الأعمّ من الفعل والتّرك والمردّد بينهما وحمل مطلق شغله على الحسن وعدم جواز ظنّ السّوء به كذلك فهي يشمل ما إذا صدر عنه فعل مردّد بين الحسن والقبيح أو ترك كذلك أو لم يعلم أنّه صدر منه فعل يكون حسنا أو ترك يكون قبيحا أو بالعكس فالواجب في كلّ مقام حمل ما يصدر منه على ما هو الجائز له شرعا وإنّما الإشكال في أنّه هل يجب حمل أمره بالمعنى المذكور على الصّحيح بالمعنى المبحوث عنه في المقام أم لا فإذا تردّد ما صدر منه بين الفعل المترتّب عليه الأثر والتّرك الغير المترتّب عليه الأثر فيحمل على أنّه الفعل أو لا وجهان أوجههما عند الأستاذ العلَّامة دام ظلَّه في طيّ بعض كلماته في مجلس البحث الأوّل لجريان السّيرة على ذلك في الجملة حيث إنّه يحكم بقراءة الإمام للسّورة مثلا أو الإتيان
بغيرها من الأجزاء والشّرائط المعلومة الوجوب عند الإمام والمأموم أو عند المأموم فقط وبإتيان من يقدم للصّلاة على الميّت بجميع ما كان معتبرا فيها إذا كان هو الملتزم بفعلها والقول بأنّ ذلك من جهة حمل إقدامه إيّاه للصّلاة على الصّحة من حيث كونه مترتّبا على أفعال من الغسل وغيره قبل الصّلاة فاسد جدّا لأنّ حمله على الصّحة لا يوجب الحكم بوجود تلك الأفعال إلَّا من باب التّعويل على الأصل المثبت والحكم بعدم صدور الكبيرة ممّن علم أنّ له ملكة يشكّ في صدور الكبيرة عنه بناء على أنّ العدالة هي الملكة المتّصفة بالكف فعلا كما يقتضيه التّحقيق الَّذي عليه جماعة من المحقّقين فإنّه لا يمكن الحكم بعدم صدور الكبيرة عنه إذا كان المشكوك ترك واجب إلَّا بالبناء على التّعميم المذكور
نعم ؛ لو كان فعل الحرام أمكن دفعه بالأصل لكن ترك الواجب لا يمكن دفعه إلَّا بأصالة الصّحة فإنّ مقتضى الأصل هو التّرك لا الفعل إلي غير ذلك من الفروع ولا مصحّح لها إلَّا ما ذكرنا والقول بانتقاضه بعدم بنائهم على الحكم بصدور التّوبة ممّن علم بصدور الكبيرة عنه إذا شكّ في صدور التّوبة عنه فاسد من جهة أنّ تركه التّوبة لا يوجب عقابا زائدا على ما يستحقّه ترك الواجب أو فعل الحرام لأنّ وجوب التّوبة عندنا إرشاديّ لا شرعيّ على ما حقّق في محلَّه
فتدبّر ؛ ولكنّك خبير بأنّ هذا ربما ينافي ما اختاره دام ظلَّه سابقا من أنّه
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 212
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص٢١٢