ثالثها : أنّ ما ذكر من التّعريف للدّليل الاجتهادي يعمّ الدّليل العلمي والظَّني لأنّ الاجتهاد على ما هو قضيّة التّحقيق الَّذي عليه جمع من المحقّقين أعمّ من تحصيل العلم بالحكم الشّرعي أو الظَّن به ولذا نقول إنّ القطعيّات من الفقه كالظَّنيات
نعم ؛ الضّروريّات خارجة وأمّا ما ذكرنا سابقا في وجه المناسبة فإنّما كان مبنيّا على تعريف الأكثرين للاجتهاد من العامّة والخاصّة ومال إليه الأستاذ العلامة بعض الميل في مسألة الاجتهاد والتّقليد من حيث إن تعريفهم للاجتهاد سواء كان بمعنى الملكة أو الفعليّة ينطبق عليه وهو كما ترى لا يخلو من وجه
رابعها : أنّه قد يقال بل قيل بل ربما يستفاد من مطاوي كلمات الأستاذ العلَّامة أنّ النّسبة بين الحاكم والمحكوم قد يكون عموما من وجه وقد يكون عموما مطلقا وأمثلة كلّ منهما كثيرة في الغاية ولكنّه كما ترى على خلاف التّحقيق لأنّ النّسبة فرع اجتماع الدّليلين في موضوع واحد والحاكم بمدلوله يرفع موضوع الآخر بالحكومة فكيف يمكن أخذ النّسبة بينهما وأمّا ما ربما يستفاد من كلمات الأستاذ العلَّامة فهو مبنيّ على ملاحظة الدّليلين من حيث الواقع مع قطع النّظر عن لسانهما فتدبّر
خامسها : أنّ ما ذكره الأستاذ العلَّامة هو المناط في الدّليل الاجتهادي والفقاهتي ولا فرق بعد وجوده بين كون الدّليل الدّالّ على حجيّة الدّليل أو الأصل من حكم العقل أو السّمع ولا بين أن لا يكون الشّك مأخوذا في موضوعه وبين أن يكون مأخوذا فيه فالاستصحاب بناء على القول باعتباره من باب الظَّن دليل اجتهادي وإن كان الشّك مأخوذا في موضوعه
سادسها : أنّه كما يطلق على ما كان معتبرا من حيث الكشف الدّليل بقول مطلق والدّليل الاجتهادي في مقابل الأصول كذلك يطلق عليه الأمارة أيضا لكن ثبوت هذا الإطلاق بالنّسبة إلى الموضوعات أكثر بل قد يقال إنّه لم يطلق الدّليل عليه بالنّسبة إلى الموضوعات
سابعها : أنّ من لوازم الدّليل الاجتهادي والفقاهتي عدم التّعارض بينهما بل كون الأوّل واردا على الثّاني أو حاكما عليه وأمّا الدّليلان
الاجتهاديّان أو الفقاهتيان فقد يوجد بينهما الورود والحكومة إلَّا أنّه لا إشكال في وقوع التّعارض بينهما كما ستقف على تفصيل القول فيه في محلَّه
نعم ؛ قد أشرنا إلى أنّ ما ذكرنا من كون الدّليل واردا على الأصل أو حاكما عليه إنّما هو فيما لم يكن الأصل أخصّ من الدّليل وإلَّا فلا بدّ من العمل على الأصل والوجه فيه ظاهر
ثامنها : أنّ الدّليلين إن علم حالهما من حيث كونهما اجتهاديّين أو فقاهيّين أو كون أحدهما اجتهاديّا والآخر فقاهيّا فهو وإن لم يعلم حالهما ولم يكن هناك ما يرجع إليه من الظَّنون المعتبرة المشخّصة فيحدث في المسألة إشكال من حيث إجراء أحكام التّعارض بينهما إلَّا أنّ هذا قليل في الغاية لأنّ مصاديق الأدلَّة والأصول معلومة غالبا في الأحكام والموضوعات وإنّما الإشكال والخلاف وقع بالنّسبة إلى بعضها فلهذا احتيج إلى التّكلَّم في تشخيصه وفي بيان حكمه على تقدير عدم العلم به
ثمّ إنّه لا بدّ من أن يعلم أنّ سبب الاشتباه إنّما هو عدم العلم بأنّ الشارع اعتبر الشّيء من حيث كونه كاشفا ولو بالنّوع أو اعتبره لا من حيث كشفه سواء كان كاشفا أم لا لا عدم العلم بأنّه كاشف أم لا وإن كان هذا أيضا ممكنا إذا كان المدار على الكشف النّوعي
قوله : إنّ اليد ممّا لا يعارضها الاستصحاب إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه قد يشكل فيما ذكره من إطلاق القول بحكومة اليد على الاستصحاب بعد تكلَّمه دام ظلَّه في حكم اليد مع الاستصحاب على كلّ من تقدير القول باعتبارها من باب الظَّن أو التّعبّد
ثمّ إنّه ينبغي أن يتكلَّم أوّلا في كون اليد من الأمارات ثمّ يتكلَّم في حكمها على فرض عدم كونها من الأمارات لا أن يعكس الأمر كما صنعه دام ظلَّه في الكتاب
قوله : بيان ذلك أنّ اليد إن قلنا إلخ
أقول : لا فرق في حكومة اليد على الاستصحاب على القول باعتبارها من باب الظَّن على ما صرّح به في مجلس البحث بين القول بكون الاستصحاب من باب التّعبد أو من باب الظَّن أمّا على الأوّل فظاهر وأمّا على الثّاني فلوجود التّرتّب بين الظَّن الاستصحابي وغيره وقد يستشكل ذلك بناء على كون منشأ الظَّن فيهما الغلبة ويدفع بأنّ الغلبة الموجودة في اليد أقوى من حيث كونها بمنزلة الأخصّ وأمّا على القول باعتبارها من باب التّعبّد فيحكم بتقديمها على الاستصحاب ولو قلنا بكونه من باب الظَّن من حيث وجود الاستصحاب في جميع مواردها أو غالبها فلا يجوز رفع اليد عنها فإن شئت قلت إنّ العلَّة في اعتبارها لزوم الاختلال من إلغائها وهي بعينها موجودة في مورد اجتماعهما ولو كان غالبيّا كما هو ظاهر فيكون دليل اعتبارها حاكما على دليل الاستصحاب أو مخصّصا له ولو كانت النّسبة العموم من وجه بعد عدم إمكان تخصيص دليل اليد بمورد الافتراق فافهم وستقف على مزيد بيان لذلك
قوله : كما يشير إليه قوله في ذيل إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّه قد يورد عليه بأنّه مناف لما سيذكره من كون المراد من الرّواية العمل باليد من باب الظَّن من حيث ورودها لإمضاء ما عليه بناء النّاس
قوله : فالأظهر أيضا تقديمها على الاستصحاب إلخ
أقول : الوجه في تقديم اليد على الاستصحاب وإن كان معتبرا من باب الظَّن بناء على كون اعتبارها من باب التّعبّد هو الحكم بتخصيص أدلَّة
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 188
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٨٨