السّابقة مخصّص لعموم الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك من حيث كون كلّ منهما حاكما بحكم في موضوع الشّك فإنّ النّسبة بين ما قام على اعتبار الأمارة بل نفس الأمارة والعموم المذكور وإن كانت عموما من وجه إلَّا أنّ بعد قيام الإجماع على عدم الفرق بين موارد الدّليل يصير في حكم الخاص المطلق من حيث إنّ إخراج مورد الاجتماع منه مستلزم لطرحه كلَّية على نحو ما عرفت تقريره في الجزء الثّاني من التّعليقة في بيان توهّم كون الدّليل الاجتهادي مخصّصا لعمومات البراءة ولكنّك خبير بفساده أيضا لأنّ مفاد ما دلّ على اعتبار الدّليل القائم على خلاف الحالة السّابقة ليس مجرّد العمل به من حيث كون المقوم عليه مشكوكا بل مفاده تنزيل مفاد الأمارة منزلة الواقع والحكم بأنّه واقع والبناء على عدم الشّك فيه وهكذا كما ترى معنى الحكومة لا التّخصيص ومنه يظهر الوجه فيما اختاره الأستاذ العلَّامة من حكومة الأدلَّة على الاستصحاب من حيث إنّ أدلَّة اعتبارها حاكمة بخروج موردها عن مجاري الأصول ومفسّرة لما دلّ على وجوب البناء على الحالة السّابقة فما اختاره الأستاذ العلَّامة هو المختار وستقف على تفصيل القول فيه في الجزء الرّابع من التّعليقة فقد تلخّص ممّا ذكرنا أنّ تقديم الدّليل القائم على خلاف الحالة السّابقة على الاستصحاب من باب الحكومة وأنّه لا مجرى للاستصحاب في مورده فإنّه يحكم بعدم وجود الشّك في مورد وجوده فلا يكون ترك العمل بالأصل طرحا له حتّى يحكم بوجود مورده حسب ما هو الميزان في وجود الموضوع هذا مجمل القول فيما لو قام الدّليل على خلاف الحالة السّابقة
وأمّا الكلام فيما لو قام على طبقها فملخّص القول فيه أنّ حكمه حكم الصّورة السّابقة فإنّ ما ذكرنا وجها للحكومة فيها يجري بعينه فيه أيضا كما هو ظاهر ضرورة أنّه لا يختلف مفاد دليل اعتبار الدّليل من حيث كونه منزّلا المشكوك منزلة الواقع بين قيامه على طبق الأصل أو خلافه
نعم ؛ القول بالتّخصيص لا يجري في الفرض وأمّا القول بالورود فالظَّاهر جريانه هذا مجمل الكلام على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد
وأمّا بناء على القول باعتباره من باب الظَّن فالَّذي ينبغي أن يقال هو أنّ الأمر لا يخلو على هذا التّقدير من أنّه إمّا أن نقول باعتباره من باب الظَّن الشّخصي حسب ما هو ظاهر شيخنا البهائي أو الظَّن النّوعي المقيّد بعدم قيام الظَّن على الخلاف ولو كان نوعيّا على ما يظهر من بعض أو الظَّن النّوعي المطلق حسب ما هو قضيّة مقالة المشهور فإن قلنا باعتباره من باب الظَّن الشّخصي فلا إشكال في كون الدّليل الظنّي القائم على خلاف الحالة السّابقة واردا على الاستصحاب على تقدير منعه عن حصول الظَّن من الاستصحاب على ما هو قضيّة تقابلهما لو خلَّيا وطبعهما بل ذلك غير مختصّ بالدّليل المعتبر بل يجري في الأمارة الغير المعتبرة أيضا إلَّا أنّه لا يسمّى واردا لأنّ الورود مختصّ ظاهرا برفع الدّليل المعتبر موضوع الدّليل الآخر لا مطلق رفع الأمارة ولو لم يكن معتبرة وأمّا لو فرض عدم رفعه للظَّن الحاصل منه ولكن كان اعتباره من باب الظَّن النّوعي المطلق فحكمه حكم الصّورة الثّالثة وإن قلنا باعتباره من باب الظَّن النّوعي المقيّد على ما هو قضيّة كلام العضدي على بعض الوجوه فلا إشكال في ورود الدّليل عليه لو حصل منه ظنّ بخلاف الحالة السّابقة وأمّا لو لم يحصل منه ظنّ بالخلاف فيدخل في الفرض الثّالث وإن قلنا باعتباره من باب الظَّن النّوعي المطلق حسب ما هو قضيّة مقالة المشهور على ما استظهره الأستاذ العلَّامة فيما سبق فتأتي فيه الوجوه الثّلاثة المتقدّمة على تقدير القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد فالحقّ هو كون الدّليل حاكما عليه وإن كان كلّ منهما دليلا اجتهاديّا إذ الحكومة والورود ليسا من خصائص الدّليل الاجتهادي بالنّسبة إلى الأصول بل قد يوجدان بين الأصلين كما يوجدان بين الدّليلين أيضا على ما عرفت بعض الكلام فيه وستعرف تفصيله
إن شاء اللَّه تعالى
نعم ؛ قد يقال إنّ هذا إنّما هو على القول باعتبار الاستصحاب من باب الغلبة وأمّا بناء على اعتباره من باب بناء العقلاء فالحقّ ورود الدّليل عليه كما هو الشّأن في تقديم الخاصّ الظَّني السّند النّص بحسب الدّلالة على أصالة العموم في العام بناء على القول باعتبارها من باب بناء العقلاء من حيث الظَّهور النّوعي فعدم إناطة اعتباره بالظَّن الشّخصي أو عدم قيام الظَّن على الخلاف إنّما ينفع في مقابل الأمارة الغير المعتبرة لا الأمارة المعتبرة لأنّ بناء العقلاء ليس موجودا مع قيام الدّليل على الخلاف هذا ولكنّك خبير بعدم الفرق بينهما إذ عدم بناء العقلاء على العمل بالاستصحاب في مورد لا يكشف عن عدم جريانه لأنّ عدم العمل أعمّ من الورود لأنّه يجامع الحكومة أيضا هذا وستقف على تفصيل القول فيه في محلَّه إن شاء اللَّه تعالى كما أنّه قد يقال بورود الدّليل الظَّني المعتبر على الاستصحاب مطلقا من غير فرق بين كون المدرك فيه الغلبة أو بناء العقلاء من جهة ملاحظة نفس الحالة السّابقة إذ الغلبة إنّما تلحق المشكوك بالأعمّ الأغلب ولذا يحكم بعدم جريان غلبة الأعمّ إذا كانت في مقابلها غلبة الأخصّ وإن كان هذا فاسدا أيضا بأنّ هذا خروج عن الفرض كما هو واضح هذا وممّا ذكرنا كلَّه يعرف ما وقع من الأستاذ العلَّامة في المقام من المسامحة في البيان فإنّ قوله وإن أخذ من باب الظَّن فالظَّاهر أنّه لا تأمّل لأحد في أنّ المأخوذ إلى آخره مناقض صريح لما حكاه سابقا من المشهور
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 185
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٨٥