الشّك في انتقاض العدم الأزلي كما هو واضح ظاهر وبالجملة قد عرفت سابقا أنّ اليقين بالوجود إذا كان مقيّدا بزمان وإن كان مطابقا للواقع لا ينقض العدم الأزلي بقول مطلق فضلا عمّا يشكّ في كونه مطابقا للواقع أو لا
فإن قلت : ستعرف بعد هذا أنّه على فرض تماميّة القاعدة وقيام الدّليل عليها يكون مقدّما على الاستصحاب إمّا من باب الحكومة كما يقتضيه اعتبارها على أحد الوجهين أو من باب التّخصيص على ما هو قضيّة اعتبارها على الوجه الآخر فالحكم باعتبار القاعدة لا يوجب التّعارض بينها وبين الاستصحاب المسقط للقاعدة عن الاعتبار
قلت : هذا الكلام ممّا لا يصدر عن جاهل فضلا عن العالم فإنّ الحكم بحكومة القاعدة على الاستصحاب أو بكونها مخصّصة لعموم ما دلّ على الأخذ بالحالة السّابقة إنّما هو فيما إذا جعل الدّليل على اعتبار القاعدة أمر آخر غير عموم الأخبار النّاهية عن نقض اليقين بالشّك وإلَّا كما هو المفروض فلا يمكن أن يجعل القاعدة حاكمة أو مخصّصة كما هو غير مخفيّ على من له أدنى دراية
قوله : مضافا إلى ما ربما يدّعى من ظهور الأخبار إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ هذا الكلام منه دام ظلَّه يشهد بأنّ ظهور الأخبار في الشّك في البقاء غير مجزوم به عنده وكلامه في هذا المطلب مضطرب فراجع إلى مجموع كلماته وتتبّع فيها حتّى تقف على حقيقة الأمر
قوله : غير عموم هذه الأخبار لها إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ هذا إشارة إلى أن ما تقدّم من الكلام سابقا في دلالة الأخبار على القاعدة وعدمها إنّما هو بحسب العموم فلا ينافي التّكلَّم في دلالتها عليها في المقام من حيث الخصوص ولا يلزم عليه تكرار أصلا هذا ولكنّك خبير بأنّه قد تقدّم منه دام ظلَّه الكلام في عدم إمكان دلالة الأخبار على القاعدة ببعض المعاني ولو أريد خصوص القاعدة أيضا
قوله : إمّا أن يكون إثبات حدوث المشكوك فيه إلخ
أقول : لا يكاد أن يخفى الفرق بين هذه المعاني على من له أدنى دراية أمّا الفرق بين المعنى الأوّل والأخيرين فظاهر لأنّ المقصود منه الحكم بترتيب آثار الحدوث والبقاء جميعا وفيهما ليس المقصود الحكم بترتيب آثار البقاء أصلا وأمّا الفرق بين المعنى الثّاني والثّالث فهو أنّ المقصود في الثّاني هو الحكم بحدوث المشكوك واقعا بالنّسبة إلى جميع ما يترتّب عليه من الآثار حتّى بالنّسبة إلى ما يترتّب عليه في الزّمان اللَّاحق بمعنى أنّه لو كان لحدوث الشّيء أثر رتّب عليه في الزّمان المتأخّر حكم بترتّبه عليه بناء على المعنى الثّاني وهذا بخلاف المعنى الثّالث فإنّ المقصود منه ليس إلَّا الحكم بصحّة ما يترتّب سابقا على المتيقّن من الأحكام والآثار وأمّا الحكم بحدوث المشكوك بحيث يترتّب عليه ما رتّب شرعا عليه في الزّمان اللَّاحق فلا فهذه المعاني كما ترى مترتّبة بحسب العموم والخصوص لأنّ كلّ لاحق أخصّ من سابقه
قوله : فإن أريد الأوّل إلخ
أقول : قد يورد عليه بأنّه إذا فرض عدم إمكان الجمع بين الحكم بالبقاء والحدوث فكيف يستظهر عدم الدّليل عليه بل ينبغي القطع بعدم إمكان قيام دليل عليه ولكنّك خبير بإمكان التّفصّي عن هذا الإيراد بأنّ عدم إمكان الجمع بين إرادتهما من كلام واحد وإنشاء واحد لا ينافي الحكم بثبوت المعنيين فقيام الدّليلين عليهما أحدهما يدلّ على وجوب الحكم بالحدوث ثانيهما يدلّ على لزوم الحكم بالبقاء كما لا يخفى
قوله : لكنّه لا يتمّ إلَّا على الأصل المثبت إلخ
أقول : لا يخفى عليك أنّ إثبات البقاء ظاهرا بإثبات الحدوث كذلك من الأصل المثبت فإن ترتب البقاء على الحدوث على تقدير ثبوته ليس من أحكامه الشّرعيّة والأصل المثبت ليس مختصّا بالاستصحاب بل كلّ أصل يراد به إثبات واسطة ملازمة لما يترتّب عليها الحكم الشّرعي يسمّى بالأصل المثبت سواء كان في الأحكام أو الموضوعات وسواء كان استصحابا أو غيره من الأصول كما أنّ نفيه عندنا ليس مختصّا بالاستصحاب أيضا لاتّحاد مناط المنع كما هو واضح لمن له أدنى دراية
قوله : لأنّه على تقدير الدّلالة لا يدلّ إلخ
أقول : لا يخفى عليك صحّة ما ذكره دام ظلَّه فإنّ المفروض كون محلّ الوجود المشكوك في الزّمان الثّاني الَّذي يسمّى بالبقاء عين زمان الشّك كما هو واضح فلا يمكن أن يقال بتجاوز محلَّه اللَّهمّ إلَّا أن يكون هناك عمل مركَّب اشترط فيه شيء يشك في أثناء العمل في بقائه على تقدير الحدوث بحيث يكون محلّ إحرازه حتّى للأجزاء اللَّاحقة قبل الدّخول في العمل كالطَّهارة للصّلاة فتأمّل
قوله : وأضعف منه الاستدلال إلخ
أقول : لا يخفى عليك صحّة ما ذكره دام ظلَّه إذ لا مستند لهذا الأصل إلَّا دعوى أصالة الصّحة في جميع الموجودات حتّى الاعتقاد على ما ذكره فقيه عصره في كشف الغطاء وستقف على فساد هذه الدّعوى وعدم مستند لها
قوله : وحاصل الكلام في هذا المقام إلخ
أقول : حاصل ما ذكره دام ظلَّه هو أنّ المحصّل من جميع ما ذكر عدم دليل على اعتبار مجرّد الاعتقاد بشيء سابقا مع الشّك في مطابقته للواقع وعدمه من حيث هو هو مطلقا سواء كان في الأحكام أو الموضوعات حصل عن قصور أو تقصير وسواء كان في الموضوع الاجتهادي أو التّقليدي أو غيرهما وهذا ما يقال إنّ الشّك السّاري لا اعتبار به
نعم ؛ قد توجد في بعض موارد تلك القاعدة قاعدة أخرى تقتضي البناء على مقتضى تلك القاعدة ببعض معانيها لكن لا دخل لها بتلك القاعدة لأنّ مناطها لا تعلَّق له بها وهذا ليس معنى
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 182
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٨٢