هي هي على خلاف الإجماع فإنّ أحدا لم يقل بأنّ الشّك بعد اليقين ملغى ولم يعمل بمقتضى اليقين أصلا ولو حصل الشّك بعد اليقين فورا
سادسها : وقوع التّدافع من إرادتهما معا والتّعارض الدّائمي الموجب لعدم إمكان إرادتهما كما ستقف على شرح القول فيه هذا ملخّص ما استفدناه من مطاوي كلماته من الكتاب وفي مجلس البحث
ولكنّك خبير بإمكان المناقشة في جميع ما ذكرناه من الوجوه عدا الوجه السّادس
أمّا الأوّل : فللمنع من كون الجامع بين القاعدتين مجرّد اللَّفظ والصّوت بل لكلّ من المضي وعدم الاعتناء بالشّك والبقاء على اليقين السّابق والالتزام بمقتضاه معنى يجامع كلَّا من القاعدتين واستفادة كلّ منهما بمناطه إنّما هي من لوازم النّسبة إلى الموارد الخاص لا أن تكون مرادة من اللَّفظ حتّى يقال إنّ إرادتهما بمناطهما الملحوظ فيهما من اللَّفظ موجب للزوم ما ذكره من المحاذير فتدبّر وبدونه لا يجدي نفعا
وأمّا الثّاني : فلأنّ أحدا لم يدّع اجتماع القاعدتين في شخص المقام حتّى يورد عليه بما ذكر في الإيراد الثّاني بل المدّعى شمول الأخبار للقاعدتين أينما وجد كلّ واحد منهما فإذا تيقّن الطَّهارة وشكّ في بقائها فيحكم بمقتضى الأخبار بوجوب الالتزام بها وإذا شكّ في عدالة زيد بعد اليقين بها في زمان بالشّك السّاري يحكم أيضا بعدم الاعتناء به وكذا في سائر المقامات وبالجملة لم نر أحدا حكم باجتماع اليقين والشّك بالمعنيين في مورد واحد ولم يحرز أحد النّزاع فيه بل من حكم بدلالة الأخبار على اعتبارهم حكم بها أينما وجدتا بحسب الموارد المتعدّدة وممّا ذكرنا يندفع الإيراد الثّالث أيضا والوجه فيه ظاهر
وأمّا الرابع : فلأنّ من يقول بدلالتها على اعتبار القاعدتين لا يقول بدلالتها على لزوم تقدّم اليقين على الشّك حتّى يورد عليه بما ذكر بل يقول بدلالتها على لزوم الأخذ باليقين بالشّيء وعدم الاعتناء بالشّك فيه سواء وجدا معا أو تقدّم أحدهما على الآخر مع أنّ له أن يتمّ المدّعى بالإجماع المركَّب فتأمّل
وأمّا الخامس : فلأنّ قيام الإجماع على عدم اعتبار قاعدة الشّك السّاري أينما وجد لا يضرّ بالحكم
باعتبارها فيما لم يقم فيه إجماع على عدم اعتبارها مع أنّ كلامنا في الإمكان وعدمه لا في الوقوع وعدمه ومنه يظهر عدم ورود ما يقال عليه بأنّ الإجماع إنّما انعقد على عدم اعتبار القاعدة من حيث هي مطلقا حتّى في مورد العمل على اليقين السّابق فإنّ عدم الاعتناء بالشّك في هذه الصّورة إنّما هو من جهة ما دلّ على عدم الاعتناء بالشّك بعد الفراغ سواء سبق باليقين أو لا هذا ملخّص ما يقال علي ما ذكره دام ظلَّه من الإشكالات وبقي بعض إشكالات أخر على خصوصيّات فيه ستقف عليه بعد نقله
قوله : واختلاف مؤدّى الإبقائين إلخ
أقول : قد يورد عليه بأنّ اختلاف مؤدّى الإبقائين إن لم يمنع من إرادتهما من العبارة الَّتي ذكرها دام ظلَّه فلا يمكن أن يمنع من قوله من كان على يقين فشكّ الحديث وقوله لا تنقض اليقين بالشّك الحديث وغيرهما من الأخبار والعبائر ضرورة أنّه إن لم يكن بين المعنيين جامع يحكم بإرادتهما من إرادته من الكلام فلا يجوز إرادتهما بناء على منع استعمال اللَّفظ في أكثر من معنى من أيّ كلام فرض وإن كان بينهما جامع على الوجه المذكور أمكن إرادتهما من أيّ لفظ فرض ضرورة أنّ خصوصيّات الألفاظ والأصوات لا يعقل أن يكون لها مدخليّة في الاستحالة والإمكان غاية الأمر أن يكون بعض الألفاظ ظاهرا أو نصّا في أحد الفردين وبعضها الآخر ظاهرا في الفرد الآخر وبعضها غير ظاهر في أحدهما لكن مجرّد هذا لا يعقل أن يكون سببا لاستحالة القدر المشترك حتّى في صورة عدم نصب القرينة فضلا عن صورة نصبها على إرادته وبالجملة ما ذكره ممّا لم يعلم له معنى محصّل فإن قيل إنّ المراد من إرادتهما من كلام واحد هو إرادتهما من أمرين في كلام واحد ففيه أنّ هذا لا يحتاج إلى الاستدراك ولم يتأمّل في جوازه جاهل فضلا عن عالم هذا مضافا إلى كونه خلاف ظاهر ما ذكره دام ظلَّه إن لم يكن خلاف نصّه فإنّ من قوله لا عبرة به لا بدّ من أن يراد المعنيان كما هو واضح هذا وكان الأستاذ العلَّامة يوجّه ما ذكره بأن المراد من إمكان إرادتهما من كلام واحد ليس هو إرادتهما من حيث المناط المعتبر فيهما بحيث يمكن الاستدلال به على القاعدتين ويجعل مدركا لهما بل بمعنى إرادة معنى قدر مشترك لا ربط له بالقاعدتين من حيث المناط المتغير فيهما يجتمع معهما بحسب المورد ولو في أغلب الموارد هذا ولكنّك خبير بما فيه أيضا أمّا أوّلا فبأنّه خروج عن الفرض ولا يحتاج إلى الاستدراك ومخالف لظاهر قوله في الكتاب إن لم يكن مخالفا لصريحه وأمّا ثانيا فبأنّ تخصيص الإمكان بهذا المعنى بالعبارة الَّتي ذكرها ممّا لا معنى له غاية الأمر أن يكون إرادة هذا المعنى من قوله من كان على يقين فشكّ الحديث ونحوه خلاف الظَّاهر أو الصّريح
وهو لا يوجب استحالة الإرادة كما لا يخفى وبالجملة ما ذكره دام ظلَّه لا يخلو عن مسامحة
قوله : قلت لا ريب في اتّحاد متعلَّق الشّك واليقين إلى آخره
أقول : قد عرفت ما في هذا الجواب في طيّ كلماتنا السّابقة وأنّه إنّما يكون جوابا على تقدير كون المراد من السّؤال هو دعوى وجود القاعدتين في مورد واحد وهو ليس كذلك بل المراد هو دعوى كون المضي بمقتضى اليقين السّابق أمرا يجامع كلَّا من القاعدتين في
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 180
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٨٠