هذا كلَّه على تقدير القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد وأمّا على القول باعتبار الاستصحاب من باب الظَّن فعدم التّعارض بين الأصلين فيما حكمنا بعدم التّعارض بينهما من الأقسام الثّلاثة أوضح لاستحالة تعلَّق الظَّن بعدم اللَّازم مع الظَّن ببقاء الملزوم من حيث هو ولو كان بالظَّن النّوعي لمنافاته بالضّرورة لفرض قضيّة اللَّزوم بينهما وتسبّب الشّك في أحدهما عن الشّك في الآخر كما أنّه يستحيل أن تصير الحالة السّابقة في طرف المحكوم مانعة من حصول الظَّن من الحالة السّابقة في الملزوم هذا وقد عرفت جملة من الكلام في ذلك في طيّ كلماتنا السّابقة وستقف على تفصيل القول فيه إن شاء الله في باب تعارض الاستصحابين هذا ملخّص الكلام على الوجه الأوّل
وأمّا الوجه الثّاني : فلأنّه لا معنى للحكم بكون الأخبار مسوقة لبيان جعل الآثار الشّرعيّة فقط مع تسليم إمكان تعلَّق الجعل بغيرها أيضا هذا مجمل القول في المقام على القول باعتبار الاستصحاب من باب الأخبار والتّعبّد الظَّاهري وأمّا على القول باعتباره من باب الظَّن فالَّذي صرّح به الأستاذ العلَّامة في مجلس البحث وفي الكتاب والمعروف في الألسنة ويقتضيه فتاوي الاستصحاب في الجملة في المسائل الفرعيّة والنظر الدّقيق هو عدم الفرق بين الأصول المثبتة وغيرها سواء كانت في الأحكام الشّرعيّة أو الموضوعات الخارجيّة وسواء كانت الواسطة عادية أو عقليّة لا بمعنى تعلَّق الجعل الشّرعي بنفس الواسطة على هذا التّقدير حتّى يرجع إلى التّفصيل في إمكان تعلَّق الجعل الشّرعي بغير الأمر الشّرعي بين القولين كيف وهو ممّا لا يقول به أحد إذ ضرورة العقل قاضية بعدم الإمكان مطلقا واستحالة الفرق بل لأنّ الظَّن باللَّازم لمّا يكون ظنّا بالملزوم قهرا لقضيّة الملازمة فيحكم الشارع بحجيّة الظَّن من حيث كشفه ومرآتيّته على الإطلاق وإيجابه الالتزام بمقتضاه بالحيثيّة المذكورة جعل ظاهريّ لجميع آثار ما تعلَّق الظَّن به فبضميمة استحالة الانفكاك بين الظَّن بالملزوم والظَّن باللَّازم يحكم بتعلَّق الجعل بآثار كلّ منهما
وهنا وجه آخر : للحكم بحجيّة الأصل المثبت على هذا
التّقدير
وهو : أن يقال بتعلَّق الجعل أوّلا وبالذّات بنفس الحكم الشّرعي المترتّب على المستصحب بالواسطة من حيث إنّ الظَّن بالمستصحب كما يكون ظنّا بنفس الواسطة كذلك يكون ظنّا بالحكم الفرعي المترتّب عليه في الشّريعة أيضا لقضيّة التّرتّب ثمّ إنّ هذا الَّذي ذكرنا من عدم اعتبار الأصول المثبتة على القول باعتبار الاستصحاب من باب التّعبّد الظَّاهري واعتباره من باب الظَّن ليس مختصّا بالمقام بل يجري في جميع ما كان حكما ظاهريّا محضا ومعتبرا من باب الظَّن كأصالة البراءة والاحتياط وقاعدة الشّك بعد الفراغ وأصالة الصّحة في فعل المسلم ونحوها فإنّ في اعتبار المثبت منها وعدمه وجهان مبنيّان على اعتبارها من باب التّعبّد والحكم الظَّاهريّ والظَّن
نعم ؛ على القول باعتبار أصالة الصّحة من باب ظهور حال المسلم أيضا يمكن أن يقال بعدم اعتبار المثبت منها لعدم دليل على اعتبارها من حيث كشفها بقول مطلق إذ عمدة الدّليل عليها عندنا الإجماع وهو ليس له إطلاق يؤخذ بمقتضاه ويحكم باعتبارها مطلقا والحاصل أنّه إذا قام دليل على اعتبار أمارة بقول مطلق لم يعقل الفرق فيه بين الظَّن بنفس موردها وما يلزمه ولو بوسائط عديدة وهذا هو المدّعى إذ لسنا في صدد ادّعاء الملازمة بين اعتبار الظَّن بشيء ولازمه في جميع المقامات كيف والتّفكيك والتخلَّف قد شوهد في جملة من المقامات كما في المسألة الأصوليّة والفرعيّة والقبلة والوقت والمسألة اللَّغويّة والفرعيّة ولا ضير فيه أصلا لأنّ التّفكيك بين المتلازمين في الظَّاهر فوق حدّ الإحصاء في الشرعيّات بحيث لا يحتاج من كثرة الوضوح إلى المثال وحكاية السّودة والسّمعة معروفة إلَّا أنّ الحكم فيها محمول على الاستحباب والَّذي يجمع موارد التّفكيك على سبيل الضّابطة يرجع إلى أمور
الأوّل : أن يكون الدّليل مقتصرا فيه على ترتيب بعض الأحكام المترتّبة على مورد الظَّن كما فيما دلّ على وجوب الصّوم عند الشّك في هلال رمضان بشهادة عدل واحد فلا يحكم حينئذ بترتيب جميع الآثار عليه فلا يلزم منه جواز الإفطار بعد مضي ثلاثين من ذلك اليوم لأنّه لم يحكم بثبوت
الهلاليّة بشهادة العدل الواحد حتّى يلزم منه الحكم المذكور
الثّاني : أن يقوم الدّليل من الخارج على عدم اعتبار الظَّن باللازم كما في الظَّن بالمسألة الفرعيّة المستلزم للظَّن بالمسألة الأصوليّة إن فرض تسبّب الأولى من الثّانية على القول بأنّ عدم اعتبار الظَّن في الأصول إنّما هو من حيث الخصوص لا من حيث الاندراج تحت ما دلّ عموما على حرمة العمل بالظَّن
الثالث : أن يكون الدّليل الدّال على اعتبار الظَّن في الملزوم مهملا حاكما باعتبار الظَّن في الجملة فيكون الحكم بعدم اعتبار الظَّن في اللَّازم حينئذ من حيث عدم قيام الدّليل على اعتباره لا من حيث قيام الدّليل على اعتباره وهذا قد يكون في الأحكام الكليّة والشّبهات الحكميّة كما في الظَّن بالمسألة الفرعيّة المستلزم للظَّن بالمسألة الأصوليّة أو اللَّغوية بناء على كون حرمة العمل بالظَّن في الأوّل من حيث عدم قيام الدّليل على الاعتبار وقد يكون في الموضوعات الخارجيّة كما في الظَّن بالقبلة المستلزم للظَّن بالوقت ولو في بعض الأوقات
فإن قلت : بعد البناء على
بحر الفوائد في شرح الفرائد — صفحة 134
مساهمون: ميرزا محمد حسن الآشتياني
ص١٣٤