النوع الثاني في القبلة .
وفيها آيات :
الأول : « سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ والْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » . ( البقرة : 142 )
« سَيَقُولُ السُّفَهاءُ » الخفاف الأحلام من الناس ، قيل هم اليهود لكراهتهم التوجه إلى الكعبة ، وأنّهم لا يرون النسخ . عن ابن عباس ، إنّ قوما من اليهود قالوا يا محمّد ما ولَّاك عن قبلتك ارجع إليها نتبعك ونؤمن بك ، وأرادوا بذلك فتنته صلَّى اللَّه عليه وآله ، وقيل : المنافقون لحرصهم على الطعن والاستهزاء ، وقيل المشركون قالوا رغب عن قبلة آبائه ثمّ رجع إليها ، واللَّه ليرجعنّ إلى دينهم وقيل : يريد المنكرين لتغيير القبلة من هؤلاء جميعا .
« ما وَلَّاهُمْ » صرفهم « عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها » يعني البيت المقدس ، القبلة كالجلسة في الأصل للحال الَّتي عليها الإنسان من الاستقبال ، ثمّ صارت لما يستقبله في الصلاة ونحوها ، وفائدة الاخبار به قبل وقوعه كما هو صريح حرف الاستقبال أنّ مفاجأة المكروه أشدّ ، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب ، إذا وقع ، لما يتقدمه من توطين النفس ، وأن يستعدّ للجواب ، فان الجواب العتيد قبل الحاجة إليه ، أقطع للخصم ، وأردّ لشغبه ، وقبل الرمي يراش السهم .
بل ربما كان علم الخصم بمعرفة ذلك منهم ، واستعدادهم للجواب رافعا لاهتمامه .
على أنه سبحانه ضمّن هذا الاخبار من حقارة الخصوم ، وسخافة عقولهم وكلامهم ما فيه تسلية عظيمة ، وعلَّم الجواب المناسب وقارنه بألطاف عظيمة ، وفي كلّ ذلك تأييد وتعظيم له وللمسلمين ، وحفظ لهم من الاضطراب وملاقاة المكروه .
« قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ والْمَغْرِبُ » له الأرض والبلاد والعباد فيفعل فيها ما يشاء ويحكم ما يريد ، على مقتضى الحكمة ووفق المصلحة وانّما على العباد الانقياد والاتّباع
آيات الأحكام — صفحة 136
مساهمون: محمد بن علي الأسترآبادي
ص١٣٦