تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 756

مساهمون:

ص٧٥٦
وخسارا . قوله تعالى :
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً
قال في المفردات : العرض خلاف الطول وأصله أن يقال في الأجسام ثم يستعمل في غيرها - إلى أن قال - وأعرض أظهر عرضه أي ناحيته فإذا قيل : أعرض لي كذا أي بدا عرضه فأمكن تناوله ، وإذا قيل : أعرض عني فمعناه ولي مبدئا عرضه . انتهى موضع الحاجة . والنأي البعد ونأى بجانبه أي اتخذ لنفسه جهة بعيدة منا ، ومجموع قوله :
« أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ »
يمثل حال الإنسان في تباعده وانقطاعه من ربه عندما ينعم عليه . كمن يحول وجهه عن صاحبه ويتخذ لنفسه موقفا بعيدا منه ، وربما ذكر بعض المفسرين أن قوله :
« نَأى بِجانِبِهِ »
كناية عن الاستكبار والاستعلاء . وقوله :
وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً
أي وإذا أصابه الشر إصابة خفيفة كالمس كان آيسا منقطع الرجال عن الخير وهو النعمة ، ولم ينسب الشر إليه تعالى كما نسب النعمة تنزيها له تعالى من أن يسند إليه الشر ، ولأن وجود الشر أمر نسبي لا نفسي فما يتحقق من الشر في العالم كالموت والمرض والفقر والنقص وغير ذلك انما هو شر بالنسبة إلى مورده ، وأما بالنسبة إلى غيره وخاصة النظام العام الجاري في الكون فهو من الخير الذي لا مناص عنه في التدبير الكلي فما كان من الخير فهو مما تعلقت به بعينه العناية الإلهية وهو مراد بالذات ، وما كان من الشر فهو مما تعلقت به العناية لغيره وهو مقضي بالعرض . فالمعنى إنا إذا أنعمنا على الإنسان هذا الموجود الواقع في مجرى الأسباب اشتغل بظواهر الأسباب واخلد إليها فنسينا فلم يذكرنا ولم يشكرنا ، وإذا ناله شيء يسير من الشر فسلب منه الخير وزالت عنه أسبابه ورأى ذلك كان شديد اليأس من الخير لكونه متعلقا بأسبابه