المؤمنين ليردوهم عن دينهم ويعذبونهم بأنواع العذاب حتى ربما كانوا يموتون تحت العذاب كما فتنوا عمارا وأباه وأمه فقتل أبواه وارتد عمار ظاهرا فتفصى منهم بالتقية ، وفي ذلك نزلت الآيات السابقة كما سيأتي إن شاء اللّه في البحث الروائي .
فقوله :
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا
وعد جميل للمهاجرين من بعد ما فتنوا بالمغفرة والرحمة يوم القيامة قبال ما أوعد غيرهم بالخسران التام يومئذ وقد قيّد ذلك بالجهاد والصبر بعد المهاجرة .
وقوله :
« إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ »
بمنزلة تلخيص صدر الكلام - لطوله - ليلحق به ذيله ، ويفيد فائدة التأكيد كقولنا : زيد في الدار زيد في الدار كذا وكذا ، ويفيد أن لما ذكر من قيود الكلام دخلا في الحكم فاللّه سبحانه لا يرضى عنهم إلا أن يهاجروا ولا عن هجرتهم إلا أن يجاهدوا بعدها ويصبروا .
قوله تعالى :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
إتيان النفس يوم القيامة كناية عن حضورها عند الملك الديّان ، كما قال :
فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ
( الصافات / 127 ) ، والضمير في قوله :
« عَنْ نَفْسِها »
للنفس ولا ضير في إضافة النفس إلى ضمير النفس فإن النفس ربما يراد بها الشخص الإنساني كقوله :
مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ
( المائدة / 22 ) ، وربما يراد بها التأكيد ويتحدد معناها بما تقدمها من المؤكد سواء كان إنسانا أو غيره ، كما يقال : الإنسان نفسه والفرس نفسه والحجر نفسه والسواد نفسه ، ويقال : نفس الإنسان ونفس الفرس ونفس الحجر ونفس السواد ، وقوله :
« عَنْ نَفْسِها »
المراد فيه بالمضاف المعنى الثاني وبالمضاف اليه المعنى الأول ، وقد دفع التعبير بالضمير بشاعة تكرار اللفظ بالإضافة ، وفي هذا المقدار كفاية عن الأبحاث الطويلة التي أوردها المفسرون .
وقوله :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
الظرف متعلق بقوله في الآية