نوعين اثنين لا يخلوان عن نوع من الارتباط في خلقتهما ، ونظير ذلك قوله :
خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ
( الرحمن / 15 ) .
ولا يخلو سياق ما نحن فيه من الآيات من دلالة على أن إبليس كان جانّا وإلا لغى قوله :
« وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ »
الخ ؛ وقد قال تعالى في موضع آخر من كلامه في إبليس :
كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ
( الكهف / 50 ) ، فأفاد أن هذا الجانّ المذكور هو الجن نفسه أو هو نوع من أنواع الجنّ ثم ترك سبحانه في سائر كلامه ذكر الجانّ من أصله ولم يذكر إلا الجن حتى في موارد يعمّ الكلام فيها إبليس وقبيله كقوله تعالى :
شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
( الأنعام / 112 ) ، وقوله :
وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
( حم السجدة / 25 ) ، وقوله :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ
- إلى أن قال -
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا
( الرحمن / 33 ) .
وظاهر هذه الآيات من جهة المقابلة الواقعة فيها بين الإنسان والجان تارة وبين الإنس والجن أخرى أن الجنّ والجان واحد وإن اختلف التعبير .
وظاهر المقابلة بين قوله :
« وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ »
الخ ؛ وقوله :
« وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ »
الخ ؛ أن خلق الجان من نار السموم المراد به الخلق الابتدائي وبدء ظهر والنوع كخلق الإنسان من صلصال ؛ وهل كان استمرار الخلقة في أفراد الجان المستتبع لبقاء النوع على سنة الخلق الأول من نار السموم بخلاف الإنسان حيث بدئ خلقه من تراب ثم استمر بالنطفة ؟ كلامه سبحانه خال عن بيانه ظاهرا غير ما في بعض كلامه من نسبة الذرية إلى إبليس كما قال :
أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي
( الكهف / 50 ) ، ونسبة الموت إليهم كما في قوله :
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
( حم السجدة / 25 ) ، والمألوف من نوع فيه ذرية وموت هو التناسل والكلام بعد في هذا التناسل هل هو بسفاد كسفاد نوع من الحيوان أو بغير ذلك ؟