تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
وإذا عرفت هذا الذي قدمناه وتأملته تأملا كافيا بأن لك أن قوله تعالى :
« أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ »
إلى آخر الآية ؛ ليس بمجرد تهديد بالعذاب لهؤلاء القائلين
« أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ »
على ما يتخيل في بادئ النظر بل جواب بلازم القول . توضيح ذلك أن لازم قولهم : إن الإنسان إذا مات وصار ترابا بطلت الإنسانية وانعدمت الشخصية أن يكون الإنسان صورة مادية قائمة بهذا الهيكل البدني المادي العائش بحياة مادية من غير أن تكون له حياة أخرى خالدة بعد الموت يبقى فيها ببقاء الرب تعالى ويسعد بقربه ويفوز عنده وبعبارة أخرى تكون حياته محدودة بهذه الحياة المادية غير أن تنبسط على ما بعد الموت وتدوم أبدا ، وهذا في الحقيقة إنكار للعالم الربوبي إذ لا معنى لرب لا معاد اليه . ولازم ذلك أن يقصر الإنسان همه في المقاصد الدنيوية والغايات المادية من غير أن يرتقي فهمه إلى ما عند اللّه من النعيم المقيم والملك العظيم فيسعى لقربه تعالى ويعمل في يومه لغده كالمغلول الذي لا يستطيع حراكا ولا يقدر على السعي لواجب أمره . ولازم ذلك أن يثبت الإنسان في شقاء لازم وعذاب دائم فإنه افسد استعداد السعادة وقطع الطريق وهذه اللوازم الثلاث هي التي أشار تعالى اليه بقوله :
« أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا »
الخ . فقوله :
أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ
إشارة إلى اللازم الأول وهو إعراض منكري المعاد عن العالم الربوبي والحياة الباقية والستر على ما عند اللّه من النعيم المقيم والكفر به . وقوله :
وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
إشارة إلى اللازم الثاني وهو الإخلاد إلى الأرض والركون إلى الهوى والتقيد بقيود الجهل وأغلال الجحد والإنكار ، وقد مر في تفسير قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا
الآية ، ( البقرة / 26 ) في الجزء الأول من الكتاب كلام في كون هذه التعبيرات القرآنية حقائق أو مجازات فراجع اليه . وقوله :
أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
إشارة إلى اللازم الثالث وهو مكثهم في العذاب والشقاء .
مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 359 | إلياس الكلانتري / السيد محمدحسين الطباطبائي