تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
ولم يكن أمره بإتيانه به إشخاصا له بل إطلاقا من السجن وإشخاصا للتكليم ، ولو كان إشخاصا وإحضارا لمسجون يعود إلى السجن بعد التكليم لم يكن ليوسف عليه السّلام أن يستنكف عن الحضور بل أجبر عليه إجبارا بل كان إحضارا عن عفو وإطلاق فوسعه أن يأتي الحضور ويسأله أن يقضي فيه بالحق ، وكانت نتيجة هذا الإباء والسؤال أن يقول الملك ثانيا : ائتوني به أستخلصه لنفسي بعد ما قال أولا : ائتوني به . وقد راعى عليه السّلام أدبا بارعا في قوله للرسول :
« ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ »
فلم يذكر امرأة العزيز بما يسوؤه وليس يريد إلّا أن يقضي بينه وبينها ، وإنما أشار إلى النسوة اللاتي راودنه ، ولم يذكرهن أيضا بسوء إلّا بأمر يظهر بالتحقيق فيه براءته ولا براءته من مراودة امرأة العزيز بل نزاهته من أي مراودة وفحشاء تنسب اليه فقد كان بلاؤه عظيما . ولم يذكرهن بشيء من المكروه إلّا ما في قوله :
« إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ »
وليس إلّا نوعا من بث الشكوى لربه . وما ألطف قوله في صدر الآية وذيلها حيث يقول للرسول :
« ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ »
ثم يقول
« إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ »
وفيه نوع من تبليغ الحق ، وليكن فيه تنبه لمن يزعم أن مراده من
« رَبِّي »
فيما قال لامرأة العزيز
« إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ »
هو زوجها ، وأنه يسميه ربا لنفسه . وما ألطف قوله :
« ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ »
والبال هو الأمر الذي يهتم به يقول : ما هو الأمر العظيم والشأن الخطير الذي أوقعهن فيما وقعن فيه ، وليس إلّا هواهنّ فيه وو لهنّ في حبه حتى أنساهن أنفسهن فقطعن الأيدي مكان الفاكهة تقطيعا فليفكر الملك في نفسه أن الابتلاء بمثل هذه العاشقات الوالهات عظيم جدا ، والكف عن معاشقتهن والامتناع من إجابتهن بما يردنه وهن يفدينه بالأنفس والأموال أعظم ، ولم يكن المراودة بالمرة والمرتين ولا الإلحاح والإصرار يوما أو يومين ولن تتيسر المقاومة والاستقامة تجاه ذلك إلّا لمن صرف