تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
يجامع الضلال والمعصية وهو ظاهر ، قال تعالى :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
( الجاثية / 23 ) وقال :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ
( النمل / 14 ) . فالبرهان الذي أراه به وهو الذي يريه اللّه عباده المخلصين نوع من العلم المكشوف واليقين المشهود تطيعه النفس الإنسانية طاعة لا تميل معها إلى معصية أصلا ، وسنورد فيه بعض الكلام إن شاء اللّه تعالى . وقوله :
كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ
اللام في
« لِنَصْرِفَ »
للغاية أو التعليل والمآل واحد و
« كَذلِكَ »
متعلق بقوله :
« لِنَصْرِفَ »
والإشارة إلى ما ذكر من رؤية برهان ربه ، والسوء هو الذي يسوء صدوره من العبد بما هو عبد وهو مطلق المعصية أو الهمّ بها ، والفحشاء هو ارتكاب الأعمال الشنيعة كالزنا ، وقد تقدم أن ظاهر السياق انطباق السوء والفحشاء على الزنا والهمّ به . والمعنى : الغاية - أو السبب - في أن رأى برهان ربه هي أن نصرف عنه الفحشاء والهمّ بها . ومن لطيف الإشارة في الآية ما في قوله :
« لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ »
حيث أخذ السوء والفحشاء مصروفين عنه لا هو مصروفا عنهما ، لما في الثاني من الدلالة على أنه كان فيه ما يقتضي اقترافهما المحوج إلى صرفه عن ذلك ، وهو ينافي شهادته تعالى بأنه من عباده المخلصين وهم الذين أخلصهم اللّه لنفسه فلا يشاركه فيهم شيء فلا يطيعون غيره من تسويل شيطان أو تزيين نفس أو أي داع يدعو من دون اللّه سبحانه . وقوله :
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
في مقام التعليل لقوله :
« كَذلِكَ لِنَصْرِفَ »
الخ ؛ والمعنى : عاملنا يوسف كذلك لأنه من عبادنا المخلصين ، وهم يعاملون هذه المعاملة . ويظهر من الآية أن من شأن المخلصين من عباد اللّه أن يروا برهان ربهم ، وأن اللّه سبحانه يصرف كل سوء وفحشاء عنهم فلا يقترفون معصية ولا يهمون بها بما يريهم اللّه من برهانه ،