تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
أن يجعل هذه المخالطة والمعاشقة وسيلة يتوسل بها إلى كثير من آمال الحياة وأمانيها كالملك والعزة والمال . فهذه أسباب وأمور هائلة لو توجهت إلى جبل لهدته أو أقبلت على صخرة صماء لأذابتها ولم يكن هناك مما يتوهم مانعا إلّا الخوف من ظهور الأمر أو مناعة نسب يوسف أو قبح الخيانة للعزيز . أما الخوف من ظهور الأمر فقد مر أنه كان في أمر منه . ولو كان بدأ من ذلك شيء لكان في وسع العزيزة أن تؤوله تأويلا كما فعلت فيما ظهر من أمر مراودتها فكادت حتى أرضت نفس العزيز إرضاء فلم يؤاخذها بشيء وقلبت العقوبة ليوسف حتى سجن . وأما مناعة النسب فلو كانت مانعة لمنعت إخوة يوسف عما هو أعظم من الزنا وأشد إثما فإنهم كانوا أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب أمثال يوسف فلم تمنعهم شرافة النسب من أن يهموا بقتله ويلقوه في غيابت الجب ويبيعون من السيارة بيع العبيد ويثكلوا فيه أباهم يعقوب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم فبكى حتى ابيضت عيناه . وأما قبح الخيانة وحرمتها فهو من القوانين الاجتماعية والقوانين الاجتماعية إنما تؤثر أثرها بما تستتبعه من التبعة على تقدير المخالفة ، وذلك إنما يتم فيما إذا كان الإنسان تحت سلطة القوة المجرية والحكومة العادلة ، وأما لو أغفلت القوة المجرية أو فسقت فأهملت أو خفي الجرم عن نظرها أو خرج من سلطانها فلا تأثير حينئذ لشيء من هذه القوانين كما سنتكلم فيه عن قريب . فلم يكن عند يوسف عليه السّلام ما يدفع به عن نفسه ويظهر به على هذه الأسباب القوية التي كانت لها عليه إلّا أصل التوحيد وهو الإيمان باللّه . وإن شئت فقل المحبة الإلهية التي ملأت وجوده وشغلت قلبه فلم تترك لغيرها محلا ولا موضع إصبع . فهذا هو ما يفيده التدبر في القصة . ولنرجع إلى متن الآية .