من الأرض من غير أن يتسبب إلى هلاكه بقتل أو موت أو نقص يشبهه فيكون اهلاكا لذي رحم ، وهو أن يلقي في بعض الآبار التي على طريق المارة حتى يعثروا به عند الاستقاء فيأخذوه ويسيروا به إلى بلاد نائية تعفو أثره وتقطع خبره ، والسياق يشهد بأنهم ارتضوا هذا الرأي إذ لم يذكر رد منهم بالنسبة اليه وقد جرى عملهم عليه كما هو مذكور في الآيات التالية .
قوله تعالى :
قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ
أصل
« لا تَأْمَنَّا »
لا تأمننا ثم ادغم بالإدغام الكبير .
والآية تدل على أن الإخوة أجمعوا على قول القائل : لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب ، وأجمعوا على أن يمكروا بأبيهم فيأخذوا يوسف ويفعلوا به ما عزموا عليه وقد كان أبوهم لا يأمنهم على يوسف ولا يخليه وإياهم فكان من الواجب قبلا أن يزكوا أنفسهم عند أبيهم ويجلّوا قلبه من كدر الشبهة والارتياب حتى يتمكنوا من أخذه والذهاب به . ولذلك جاءوا أباهم وخاطبوه بقولهم :
« يا أَبانا
- وفيه إثارة للعطف والرحمة وإيثار للمودة -
ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ »
أي والحال أنا لا نريد به إلّا الخير ولا نبتغي إلّا ما يرضيه ويسره .
ثم سألوه ما يريدونه وهو أن يرسله معهم إلى مرتعهم الذي كانوا يخرجون اليه ماشيتهم وغنمهم ليرتع ويلعب هناك ، وهم حافظون له فقالوا
« أَرْسِلْهُ مَعَنا »
الخ .
قوله :
أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
الرتع هو توسع الحيوان في الرعي والانسان في التنزه وأكل الفواكه ونحو ذلك .
وقولهم :
« أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ »
اقتراح لمسئولهم كما تقدمت الإشارة اليه وقولهم :
« وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ »
اكدوه بوجوه التأكيد : إن واللام والجملة الاسمية على وزان قولهم :
« وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ »
كما يدل ان كل واحدة من الجملتين تتضمن نوعا من التطيب