وقد بين تعالى ذلك بسرد قصة يوسف الصديق عليه السّلام . ولم يرد في سور القرآن الكريم تفصيل قصة من القصص باستقصائها من أولها إلى آخرها غير قصته عليه السّلام ، وقد خصت السورة بها من غير شركة ما من غيرها .
فقد كان عليه السّلام عبدا مخلصا في عبوديته فأخلصه اللّه لنفسه وأعزه بعزته وقد تجمعت الأسباب على إذلاله وضعته فكلما ألقته في إحدى المهالك أحياه اللّه تعالى من نفس السبيل التي كانت تسوقه إلى الهلاكة : حسده إخوته فألقوه في غيابة الجب ثم شروه بثمن بخس دراهم معدودة فذهب به ذلك إلى مصر وأدخله في بيت الملك والعزة ، راودته التي هو في بيتها عن نفسه واتهمته عند العزيز ولم تلبث دون أن اعترفت عند النسوة ببراءته ثم اتهمته وأدخلته السجن فكان ذلك سبب قربه عند الملك ، وكان قميصه الملطخ بالدم الذي جاءوا به إلى أبيه يعقوب أول يوم هو السبب الوحيد في ذهاب بصره فصار قميصه بعينه وقد أرسله بيد إخوته من مصر إلى أبيه آخر يوم هو السبب في عود بصره اليه ، وعلى هذا القياس .
وبالجملة كلما نازعه شيء من الأسباب المخالفة أو اعترضه في طريق كماله جعل اللّه تعالى ذلك هو السبب في رشد أمره ونجاح طلبته ، ولم يزل سبحانه يحوله من حال إلى حال حتى آتاه الحكم والملك واجتباه وعلمه من تأويل الأحاديث وأتم نعمته عليه كما وعده أبوه .
وقد بدأ اللّه سبحانه قصته بذكر رؤيا رآها في بادئ الأمر وهو صبي في حجر أبيه والرؤيا من المبشرات ثم حقق بشارته وأتم كلمته فيه بما خصه به من التربية الإلهية ، وهذا هو شأنه تعالى في أوليائه كما قال تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
( يونس / 64 ) .
وفي قوله تعالى بعد ذكر رؤيا يوسف وتعبير أبيه عليه السّلام لها :
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ