وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ
( الملك / 11 ) ، واعترافهم بأن عدم سمعهم وعقلهم كان ذنبا منهم مع أن ذلك مستند إلى سلبه تعالى منهم ذلك يدل على أنهم أنفسهم توسلوا إلى سلب هذه النعم بالذنوب كما يدل عليه ما تقدم من قوله تعالى :
وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ
( البقرة / 26 ) وغيره .
قوله تعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
اما خسرانهم فإن الإنسان لا يملك بالحقيقة - وذلك بتمليك من اللّه تعالى - إلّا نفسه وإذا اشترى لنفسه ما فيه هلاكها وضيّعتها بالكفر والمعصية فقد خسر في هذه المعاملة التي اقدم عليها نفسه فخسران النفس كناية عن الهلاك ، وأما ضلال ما كانوا يفترون فإنه كان كذبا وافتراء ليس له وجود في الخارج من أوهامهم ومزاعمهم التي زيّنتها لهم الأهواء والهوسات الدنيوية وبانطواء بساط الحياة الدنيا يزول وينمحي تلك الأوهام ويضلّ ما لاح واستقر فيها من الكذب والافتراء ويومئذ يعلمون ان اللّه هو الحق المبين ، ويبدو لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون .
قوله تعالى :
لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
عن الفراء : أن
« لا جَرَمَ »
في الأصل بمعنى لا بد ولا محالة ثم كثرت فحولت إلى معنى القسم وصارت بمعنى « حقا » ولهذا تجاب باللام نحو لا جرم لأفعلن كذا . انتهى ، وقد ذكروا أن
« جَرَمَ »
بفتحتين بمعنى القطع فلعلها كانت في الأصل تستعمل في نتائج الكلام كلفظة « لا محالة » وتفيد أنه لا يقطع هذا القول قاطع إن كذا كذا كما يتصور نظير المعنى في « لا محالة » فمعنى الآية على هذا : حقا إنهم في الآخرة هم الأخسرون .
ووجه كونهم في الآخرة هم الأخسرين إن فرض أنهم أخسر بالنسبة إلى غيرهم من أهل المعاصي هو أنهم خسروا أنفسهم بإهلاكها وإضاعتها بالكفر والعناد فلا مطمع في نجاتهم من النار في الآخرة كما لا مطمع في أن يفوزوا في الدنيا ويسعدوا بالإيمان ما داموا على العناد ، قال