تستطيعون من دون اللّه من أوثانكم الذين تزعمون أنهم آلهة تتسرعون إليهم في الحاجات وغيرهم من سائر الخلق حتى يتم لكم جميع الأسباب والوسائل ولا يبقى أحد ممن يطمع في تأثير إعانته ويرجى نفعه في ذلك فلو كان من عندي لا من عند اللّه جاز أن تأتوا حينئذ بمثله .
وقد بان بهذا البيان ان التحدي بالقرآن في الآية الكريمة ليس من حيث نظمه وبلاغته فحسب فإنه تعالى يأمرهم بالاستمداد من كل من استطاعوا دعوته من دون اللّه سواء في ذلك آلهتهم وغير آلهتهم وفيهم من لا يعرف الكلام العربي أو جزالة نظمه وصفة بلاغته فالتحدي عام لكل ما يتضمنه القرآن الكريم من معارف حقيقية والحجج والبراهين الساطعة والمواعظ الحسنة والأخلاق الكريمة والشرائع الإلهية والأخبار الغيبية والفصاحة والبلاغة نظير ما في قوله تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
( الإسراء / 88 ) ، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في الكلام على إعجاز القرآن في الجزء الأول من الكتاب .
قوله تعالى :
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
إجابة الدعوة واستجابتها بمعنى .
والظاهر من السياق ان الخطاب في الآية للمشركين ، وأنه من تمام كلام النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم الذي أمر بقوله تعالى :
« قُلْ »
أن يلقيه إليهم ، وعلى هذا فضمير الجمع في قوله :
« فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا »
راجع إلى الآلهة وكل من استعانوا به المدلول عليهم بقوله :
« وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ » .
والمعنى : فإن لم يستجب لكم معاشر المشركين هؤلاء الذين دعوتموهم من آلهتكم ومن بلغاء أهل لسانكم العارفين بأساليب الكلام وعلماء أهل الكتاب الذين عندهم الكتب السماوية وأخبار الأنبياء والأمم والكهنة المستمدين من إلقاء شياطين الجن ،