قوله تعالى : ( الله الذي أنزل الكتاب ) يعني القرآن ( بالحق ) أي : لم ينزله لغير شيء
( والميزان ) فيه قولان :
أحدهما : أنه العدل ، قاله ابن عباس ، وقتادة ، والجمهور .
والثاني : أنه الذي يوزن به ، حكي عن مجاهد . ومعنى إنزاله : إلهام الخلق أن يعملوا به ، وأمر
الله عز وجل إياهم بالإنصاف . وسمي العدل ميزانا لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق .
وتمام الآية مشروح في الأحزاب .
قوله تعالى : ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها ) لأنهم لا يخافون ما فيها ، إذ لم يؤمنوا بكونها ،
فهم يطلبون قيامها استبعادا واستهزاء ( والذين آمنوا مشفقون ) أي : خائفون ( منها ) لأنهم يعلمون
أنهم محاسبون ومجزيون ، ولا يدرون ما يكون منهم ( ويعلمون أنها الحق ) أي : أنها كائنة لا
محالة ( ألا إن الذين يمارون في الساعة ) أي : يخاصمون في كونها ( لفي ضلال بعيد ) حين لم
يتفكروا ، فيعلموا قدرة الله على إقامتها .
( الله لطيف بعباده ) قد شرحنا معنى اسمه " اللطيف " في الأنعام وفي عباده هاهنا قولان :
أحدهما : أنهم المؤمنون .
والثاني : أنه عام في الكل . ولطفه بالفاجر : أنه لا يهلكه .
( يرزق من يشاء ) أي : يوسع له الرزق .
قوله تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة ) قال ابن قتيبة : أي عمل الآخرة ، يقال : فلان
يحرث الدنيا ، أي : يعمل لها ويجمع المال ، فالمعنى من أراد بعمله الآخرة ( نزد له في حرثه )
أي : نضاعف له الحسنات .
قال المفسرون : من أراد العمل لله بما يرضيه ، أعانه الله على عبادته ، ومن أراد الدنيا مؤثرا
لها على الآخرة لأنه غير مؤمن بالآخرة ، يؤته منها ، وهو الذي قسم له ، ( وما له في الآخرة من
نصيب ) لأنه كافر بها لم يعمل لها .
فصل
اتفق العلماء على أن أول هذه الآية إلى " حرثه " محكم ، واختلفوا في باقيها على قولين .
أحدهما : أنه منسوخ بقوله : ( عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ) ، وهذا قول جماعة منهم
مقاتل .
والثاني : أن الآيتين محكمتان متفقتان في المعنى ، لأنه لم يقل في هذه الآية : نؤته مراده ،
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 77
مساهمون: ابن الجوزي
ص٧٧