فلما فرغ الهدهد من كلامه ( قال سننظر ) فيما أخبرتنا به ( أصدقت ) فيما قلت ( أم كنت من
الكاذبين ) وإنما شك في خبره ، لأنه أنكر أن يكون لغيره في الأرض سلطان . ثم كتب كتابا وختمه
بخاتمه ودفعه إلى الهدهد وقال : ( اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ) قرأ ابن كثير ، وابن عامر ،
والكسائي : " فألقهي " موصولة بياء . وقرأ أبو عمرو ، وعاصم ، وأبو جعفر ، وحمزة : " فألقه " بسكون
الهاء ، وروى قالون عن نافع : كسر الهاء من غير إشباع ، ويعني إلى أهل سبأ ، ( ثم تول عنهم )
فيه قولان :
أحدهما : أعرض .
والثاني : انصرف ، ( فانظر ماذا يرجعون ) أي : ماذا يردون من الجواب .
فإن قيل : إذا تولى عنهم فكيف يعلم جوابهم ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أن المعنى : ثم تول عنهم مستترا من حيث لا يرونك ، فانظر ماذا يردون من
الجواب ، وهذا قول وهب بن منبه .
والثاني : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، تقديره : فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم ، وهذا
مذهب ابن زيد .
قال قتادة : أتاها الهدهد وهي نائمة فألقى الكتاب على نحرها فقرأته وأخبرت قومها . وقال
مقاتل : حمله بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة ، فرفرف ساعة والناس ينظرون ، فرفعت رأسها
فألقي الكتاب في حجرها ، فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت وخضع من معها من الجنود .
واختلفوا لأي علة سمته كريما على سبعة أقوال :
أحدها : لأنه كان مختوما ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضا .
والثاني ، لأنها ظنته من عند الله عز وجل ، روي عن ابن عباس أيضا .
والثالث : أن معنى قولها : " كريم " حسن ما فيه ، قاله قتادة ، والزجاج .
والرابع : لكلام صاحبه ، فإنه كان ملكا ، ذكره ابن جرير .
والخامس : لأنه كان مهيبا ، ذكره أبو سليمان الدمشقي .
والسادس : لتسخير الهدهد لحمله ، حكاه الماوردي .
والسابع : لأنها رأت في صدره " بسم الله الرحمن الرحيم " ، حكاه الثعلبي .
قوله تعالى : ( إنه من سليمان ) أي : إن الكتاب من عنده ( وإنه ) أي : وإن المكتوب ( بسم
الله الرحمن الرحيم ، ألا تعلوا علي ) أي : لا تتكبروا . وقرأ ابن عباس : " تغلوا " بغين معجمة وأتوني
( مسلمين ) : منقادين طائعين . ثم استشارت قومها ، ف ( قالت يا أيها الملأ ) يعني الأشراف ،
وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدا ، كل رجل منهم على عشرة آلاف . وقال ابن عباس : كان معها مائة
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 65
مساهمون: ابن الجوزي
ص٦٥