لإلقائه الهجود عن نفسه ، كما يقال : تحرج وتأثم .
قوله تعالى : * ( نافلة لك ) * النافلة في اللغة : ما كان زائدا على الأصل .
وفي معنى هذه الزيادة في حقه قولان :
أحدهما : أنها زائدة فيما فرض عليه ، فيكون المعنى : فريضة عليك ، وكان قد فرض عليه
قيام الليل ، هذا قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير .
والثاني : أنها زائدة على الفرض ، وليست فرضا ; فالمعنى : تطوعا وفضيلة . قال أبو
أمامة ، والحسن ، ومجاهد : إنما النافلة للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة . قال مجاهد : وذلك أنه قد غفر له ما
تقدم من ذنبه وما تأخر ، فما زاد على فرضه فهو نافلة له وفضيلة ، وهو لغيره كفارة . وذكر بعض
أهل العلم : أن صلاة الليل كانت فرضا عليه في الابتداء ، ثم رخص له في تركها ، فصارت
نافلة . وذكر ابن الأنباري في هذا قولين :
أحدهما : يقارب ما قاله مجاهد ، فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تنفل لا يقدر له أن يكون
بذلك ماحيا للذنوب ، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، وغيره إذا تنفل كان راجيا ، ومقدرا
محو السيئات عنه بالتنفل ، فالنافلة لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] زيادة على الحاجة ، وهي لغيره مفتقر إليها ،
ومأمول بها دفع المكروه .
والثاني : أن النافلة للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأمته ، والمعنى : ومن الليل فتهجدوا به نافلة لكم ،
فخوطب النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بخطاب أمته .
قوله تعالى : * ( عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) * " عسى " من الله واجبة ، ومعنى
يبعثك " يقيمك * ( مقاما محمودا ) * وهو الذي يحمده لأجله جميع أهل الموقف . وفيه قولان :
أحدهما : أنه الشفاعة للناس يوم القيامة ، قاله ابن مسعود ، وحذيفة بن اليمان ، وابن عمر ،
وسلمان الفارسي ، وجابر بن عبد الله ، والحسن ، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد .
والثاني : يجلسه على العرش يوم القيامة . روى أبو وائل عن عبد الله أنه قرأ هذه الآية ،
وقال : يقعده على العرش ، وكذلك روى الضحاك عن ابن عباس ، وليث عن مجاهد .
قوله تعالى : * ( وقل رب أدخلني مدخل صدق ) * وقرأ الحسن ، وعكرمة ، والضحاك ،
وحميد بن قيس ، وقتادة ، وابن أبي عبلة بفتح الميم في " مدخل " و " مخرج " . قال الزجاج :
المدخل ، بضم الميم : مصدر أدخلته مدخلا ، ومن قال : مدخل صدق ، فهو على أدخلته ،
فدخل مدخل صدق ، وكذلك شرح " مخرج " مثله .
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 54
مساهمون: ابن الجوزي
ص٥٤