قوله تعالى : ( فإذا سويته ) أي : عدلت صورته ، وأتممت خلقته ( ونفخت فيه من روحي )
هذه الروح هي التي يحيا بها الإنسان ، ولا تعلم ماهيتها ، وإنما أضافها إليه ، تشريفا لآدم ، وهذه
إضافة ملك . وإنما سمي إجراء الروح فيه نفخا ، لأنها جرت في بدنه على مثل جري الريح فيه .
قوله تعالى : ( فقعوا ) أمر من الوقوع . وقوله [ تعالى ] : ( كلهم أجمعون ) قال فيه سيبويه
والخليل : هو توكيد بعد توكيد . وقال المبرد : " أجمعون " يدل على اجتماعهم في السجود ،
فالمعنى : سجدوا كلهم في حالة واحدة . قال ابن الأنباري : وهذا ، لأن " كلا " تدل على اجتماع
القوم في الفعل ، ولا تدل على اجتماعهم في الزمان . قال الزجاج : وقول سيبويه أجود ، لأن
" أجمعين " معرفة ، ولا تكون حالا .
قوله تعالى : ( وإن عليك اللعنة ) قال المفسرون : معناه : يلعنك أهل السماء والأرض إلى يوم
الحساب . قال ابن الأنباري : وإنما قال : ( إلى يوم الدين ) لأنه يوم له أول وليس له آخر ، فجرى
مجرى الأبد الذي لا يفنى ، والمعنى : عليك اللعنة أبدا .
قوله تعالى : ( إلى يوم الوقت المعلوم ) يعني : المعلوم بموت الخلائق فيه ، فأراد أن يذيقه
ألم الموت قبل أن يذيقه العذاب الدائم في جهنم .
قوله تعالى : ( لأزينن لهم في الأرض ) مفعول التزيين محذوف ، والمعنى : لأزينن لهم الباطل
حتى يقعوا فيه . ( ولأغوينهم ) أي : ولأضلنهم . والمخلصون : الذين أخلصوا دينهم لله عن كل شائبة
تناقض الإخلاص . وما أخللنا به من الكلمات هاهنا ، فقد سبق تفسيرها في [ سورة ] الأعراف
وغيرها .
قوله تعالى : ( قال هذا صراط علي مستقيم ) اختلفوا في معنى هذا الكلام على ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه يعني بقوله هذا : الإخلاص ، فالمعنى : إن الإخلاص طريق إلي مستقيم ،
و " علي " بمعنى " إلي " .
والثاني : هذا طريق علي جوازه ، لأني بالمرصاد ، فأجازيهم بأعمالهم ، وهو خارج مخرج
الوعيد ، كما تقول للرجل تخاصمه : طريقك علي ، فهو كقوله : ( إن ربك لبالمرصاد ) .
والثالث : هذا صراط علي استقامته ، أي : أنا ضامن لاستقامته بالبيان والبرهان . وقرأ قتادة ،
ويعقوب : " هذا صراط علي " بكسر اللام ورفع الياء وتنوينها ، أي : رفيع .
إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ( 42 ) وإن جهنم
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 293
مساهمون: ابن الجوزي
ص٢٩٣