والثاني : بقاء الذكر الجميل لهم في الدنيا ، وحياة الأبد في الآخرة .
والثالث : أنه دوام نعيمهم في الآخرة .
والرابع : أنه كونهم مؤمنين ، لأن الكافر كالميت .
والخامس : أنه يحييهم بعد موتهم ، وهو على قول من قال : هو الجهاد ، لأن الشهداء
أحياء ، ولأن الجهاد يعزهم بعد ذلهم ، فكأنهم صاروا به أحياء .
قوله تعالى : ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) وفيه عشرة أقوال :
أحدها : يحول بين المؤمن وبين الكفر ، وبين الكافر وبين الإيمان ، رواه ابن أبي طلحة عن
ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير .
والثاني : يحول بين المؤمن وبين معصيته ، وبين الكافر وبين طاعته ، رواه العوفي عن ابن
عباس ، وبه قال الضحاك والفراء .
والثالث : يحول بين المرء وقلبه حتى لا يتركه يعقل ، قاله مجاهد . قال ابن الأنباري :
المعنى يحول بين المرء وعقله ، فبادروا الأعمال ، فإنكم لا تأمنون زوال العقول ، فتحصلون على
ما قدمتم .
والرابع : أن المعنى : هو قريب من المرء ، لا يخفى عليه شئ من سره ، كقوله : ( ونحن
أقرب إليه من حبل الوريد ) وهذا معنى قول قتادة .
والخامس : يحول بين المرء وقلبه ، فلا يستطيع إيمانا ولا كفرا إلا بإذنه ، قاله السدي .
والسادس : يحول بين المرء وبين هواه ، ذكره ابن قتيبة .
والسابع : يحول بين المرء وبين ما يتمنى بقلبه من طول العمر والنصر وغيره .
والثامن : يحول بين المر وقلبه بعلمه ، فلا يضمر العبد شيئا في نفسه إلا والله عالم به ، لا
يقدر على تغييبه عنه .
والعاشر : يحول بين ما يوقعه في قلبه من خوف أو أمن ، فيأمن بعد خوفه ، ويخاف بعد
أمنه ، ذكر معنى هذه الأقوال ابن الأنباري .
وحكى الزجاج أنهم لما فكروا في كثرة عدوهم وقلة عددهم ، فدخل الخوف قلوبهم ،
أعلمهم الله تعالى أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدله بالخوف الأمن ، ويبدل عدوه بالقوة الضعف ،
وقد أعلمت هذه الآية أن الله تعالى هو المقلب للقلوب ، المتصرف فيها .
قوله تعالى : ( وأنه إليه تحشرون ) أي : للجزاء على أعمالكم .
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 231
مساهمون: ابن الجوزي
ص٢٣١