قال الفراء : والمراد بموازينه ، وزنه . والعرب تقول : هل لك في درهم بميزان درهمك ،
ووزن درهمك ، ويقولون : داري بميزان دارك ، ووزن دارك ، ويريدون : حذاء دارك .
قال الشاعر :
قد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكم مخاصم ميزانه
يعني : مثل كلامه ولفظه .
فصل
والقول بالميزان مشهور في الحديث ، وظاهر القرآن ينطق به . وأنكرت المعتزلة ذلك ، وقالوا :
الأعمال أعراض ، فكيف توزن ؟ فالجواب : أن الوزن يرجع إلى الصحائف ، بدليل حديث عبد
الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على
رؤوس الناس يوم القيامة ، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا ، كل سجل مد البصر ، ثم يقول له :
أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمتك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يا رب . فيقول : ألك عذر أو حسنة ؟
فيبهت الرجل ، فيقول : لا يا رب ، فيقول : بلى ، إن لك عندنا حسنة واحدة ، لا ظلم عليك
اليوم ، فيخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فتوضع السجلات
في كفة ، والبطاقة في كفة ، قال : فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " أخرجه أحمد في
" مسنده " ، والترمذي وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يؤتى بالرجل الطويل الأكول
الشروب ، فلا يزن جناح بعوضة " ، فعلى هذا يوزن الإنسان . قال ابن عباس : توزن الحسنات
والسيئات في ميزان ، له لسان وكفتان . فأما المؤمن ، فيؤتى بعمله في أحسن صورة ، فيوضع في
كفة الميزان ، فتثقل حسناته على سيئاته ، وأما الكافر ، فيؤتى بعمله في أقبح صورة ، فيوضع في
كفة الميزان ، فيخف وزنه . وقال الحسن : للميزان لسان وكفتان . وجاء في الحديث : أن داود
عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان ، فأراه إياه ، فقال : يا إلهي ، من يقدر أن يملأ كفتيه
حسنات ؟ فقال : يا داود ، إني إذا رضيت عن عبدي ، ملأتها بتمرة . وقال حذيفة : جبريل
صاحب الميزان يوم القيامة يقول له ربه : زن بينهم ، ورد من بعضهم على بعض ، فيرد على
المظلوم من الظالم ما وجد له من حسنة . فإن لم تكن له حسنة ، أخذ من سيئات المظلوم ، فرد
على سيئات الظالم ، فيرجع وعليه مثل الجبل .
فإن قيل : أليس الله عز وجل يعلم مقادير الأعمال ، فما الحكمة في وزنها ؟ فالجواب أن فيه
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 115
مساهمون: ابن الجوزي
ص١١٥