تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زاد المسير في علم التفسير — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
قوله تعالى : ( وكتبنا ) أي : فرضنا ( عليهم ) أي : على اليهود ( فيها ) أي : في التوراة . قال ابن عباس : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، فما بالهم يخالفون ، فيقتلون النفسين بالنفس ، ويفقؤون العينين بالعين ؟ وكان على بني إسرائيل القصاص أو العفو ، وليس بينهم دية في نفس ولا جرح ، فخفف الله عن أمة محمد بالدية . قرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، وابن عامر : النفس بالنفس : والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، ينصبون ذلك كله ويرفعون " والجروح " وكان نافع ، وعاصم ، وحمزة ينصبون ذلك كله ، وكان الكسائي يقرأ : " أن النفس بالنفس " نصبا ، ويرفع ما بعد ذلك . قال أبو علي : وحجته أن الواو لعطف الجمل ، لا لاشتراك في العامل ، ويجوز أن يكون حمل الكلام على المعنى ، لأن معنى : وكتبنا عليهم : قلنا لهم : النفس بالنفس ، فحمل العين على هذا ، وهذه حجة من رفع الجروح . ويجوز أن يكون مستأنفا ، لا أنه مما كتب على القوم ، وإنما هو ابتداء إيجاب . قال القاضي أبو يعلى : وقوله [ تعالى ] : العين بالعين ، ليس المراد قلع العين بالعين ، لتعذر استيفاء المماثلة ، لأنا لا نقف على الحد الذي يجب قلعه ، وإنما يجب فيما ذهب ضوؤها وهي قائمة ، وصفة ذلك أن تشد عين القالع ، وتحمى مرآة ، فتقدم من العين التي فيها القصاص حتى يذهب ضوؤها . وأما الأنف فإذا قطع المارن ، وهو ما لان منه ، وتركت قصبته ، ففيه القصاص ، وأما إذا قطع من أصله ، فلا قصاص فيه ، لأنه لا يمكن استيفاء القصاص ، كما لو قطع يده من نصف الساعد . وقال أبو يوسف ، ومحمد : فيه القصاص إذا استوعب . وأما الأذن ، فيجب القصاص إذا استوعبت ، وعرف المقدار . وليس في عظم قصاص إلا في السن ، فإن قلعت قلع مثلها ، وإن كسر بعضها ، برد بمقدار ذلك . وقوله [ تعالى ] : ( والجروح قصاص ) يقتضي إيجاب القصاص في سائر الجراحات التي يمكن استيفاء المثل فيها . قوله تعالى : ( فمن تصدق به ) يشير إلى القصاص . ( فهو كفارة له ) في هاء " له " قولان : أحدهما : أنها إشارة إلى المجروح ، فإذا تصدق بالقصاص كفر من ذنوبه ، وهو قول ابن مسعود ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، والحسن ، والشعبي . والثاني : إشارة إلى الجارح إذا عفا عنه المجروح ، كفر عنه ما جنى ، وهذا قول ابن عباس ، ومجاهد ، ومقاتل ، وهو محمول على أن الجاني تاب من جنايته ، لأنه إذا كان مصرا فعقوبة الإصرار باقية . وقفينا على آثرهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التورة وآتيناه الإنجيل