قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ) في سبب نزولها قولان :
أحدهما : أن فقيرا وغنيا اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان صغوه مع الفقير يرى أن الفقير لا
يظلم الغني ، فنزلت هذه الآية ، هذا قولا السدي .
والثاني : أنها متعلقة بقصة ابن أبيرق ، فهي خطاب للذين جادلوا عنه ، ذكره أبو سليمان
الدمشقي . و " القوام " : مبالغة من قائم . و " القسط " : العدل . قال ابن عباس : كونوا قوالين
بالعدل في الشهادة على من كانت ، ولو على أنفسكم . وقال الزجاج : معنى الكلام : قوموا
بالعدل ، واشهدوا لله بالحق ، وإن كان الحق على الشاهد ، أو على والديه ، أو قريبه ، ( إن
يكن ) المشهود له ( غنيا ) فالله أولى به ، وإن يكن ( فقيرا ) فالله أولى به . فأما الشهادة على
النفس ، فهي إقرار الإنسان بما عليه من حق . وقد أمرت الآية بأن لا ينظر إلى فقر المشهود عليه ،
ولا إلى غناه ، فإن الله تعالى أولى بالنظر إليهما . قال عطاء : لا تحيفوا على الفقير ، ولا تعظموا
الغني ، فتمسكوا عن القول فيه . وممن قال : إن الآية نزلت في الشهادات ، ابن عباس ،
والحسن ، ومجاهد ، وعكرمة ، والزهري ، وقتادة ، والضحاك .
قوله تعالى : ( فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) فيه أربعة أقوال :
أحدها : أن معناه : فلا تتبعوا الهوى ، واتقوا الله أن تعدلوا عن الحق ، قاله مقاتل .
والثاني : ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا ، قاله الزجاج .
والثالث : فلا تتبعوا الهوى كراهية أن تعدلوا عن الحق .
والرابع : فلا تتبعوا الهوى فتعدلوا ، ذكرهما الماوردي .
قوله تعالى : ( وإن تلووا ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وعاصم ، والكسائي ،
تلووا ، بواوين ، الأولى مضمومة ، واللام ساكنة . وفي معنى هذه القراءة ثلاثة أقوال :
أحدها : أن يلوي الشاهد لسانه بالشهادة إلى غير الحق . قال ابن عباس : يلوي لسانه بغير
الحق ، ولا يقيم الشهادة على وجهها ، أو يعرض عنها ويتركها . وهذا قول مجاهد ، وسعيد بن
جبير ، والضحاك ، وقتادة ، والسدي ، وابن زيد .
والثاني : أن يلوي الحاكم وجهه إلى بعض الخصوم ، أو يعرض عن بعضهم ، روي عن
ابن عباس أيضا .
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 205
مساهمون: ابن الجوزي
ص٢٠٥