تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 718

مساهمون:

ص٧١٨
منى ، واعلم أن صواب الاستماع أحسن من صواب القول ، وإذا حدّثتك حديثا فلا يفوتنّك شئ منه ؛ وأرنى فهمك في طرفك ؛ إني اتخذتك وزيرا بعد أن كنت معلَّما ، وجعلتك جليسا مقرّبا بعد أن كنت مع الصبيان مبعدا ، ومتى لم تعرف نقصان ما خرجت منه لم تعرف رجحان ما صرت إليه . وساير الرشيد عبد الملك ، فقال له قائل : طأطىء من إشرافه ، واشدد من شكائمه ، وإلَّا فسد عليك ، فقال له الرشيد : ما يقول هذا ؟ قال : حاسد نعمة ، ونافس رتبة ، أغضبه رضاك عنى ، وباعده قربك منى ، وأساءه إحسانك إلىّ . فقال له الرشيد : انخفض القوم وعلوتهم ؛ فتوقّدت في قلوبهم جمرة التأسّف . فقال عبد الملك : أضرمها اللَّه بالتزيّد عندك ! فقال الرشيد : هذا لك وذاك لهم . وصعد المنبر ، فأرتج عليه فقال : أيّها الناس ، إن اللسان بضعة من الإنسان تكلّ بكلاله إذا كلّ ، وتنفسح [ بانفساحه ] إذا ارتجل ، إن الكلام بعد الإفحام كالإشراق بعد الإظلام ، وإنا لا نسكت حصرا ، ولا ننطق هذرا ؛ بل نسكت مفيدين ، وننطق مرشدين ، وبعد مقامنا مقام ، ووراء أيامنا أيّام ، بها فصل الخطاب ، ومواقع الصواب ، وسأعود فأقول ، إن شاء اللَّه تعالى وقال الأصمعي : كنت عند الرشيد فدعا بعبد الملك بن صالح من حبسه ، فقال : يا عبد الملك ، أكفرا بالنّعمة « 1 » ، وغدرا بالسلطان ، ووثوبا على الإمام ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، بؤت بأعباء الندم ، واستحلال النّقم ، وما ذاك إلَّا من قول حاسد ، ناشدتك اللَّه والولاية ، ومودّة القرابة . فقال الرشيد : يا عبد الملك ، تضع لي لسانك ، وترفع لي جنانك ، بحيث يحفظ اللَّه لي عليك ، ويأخذ لي منك ، هذا كاتبك قمامة ينبئ عن غلَّك « 2 » ، فالتفت عبد الملك إلى قمامة وكان قائما ، فقال :
هامش
« 1 » كفرا بالنعمة : جحودا لها وإنكارا ( م ) « 2 » غلك : حقدك وفساد قلبك ( م )