ماء اليأس ، ومسح أعشار قلبي فلام فطورها بجميل الصبر « 1 » ، وشعب أفلاذ كبدي فلاحم صدوعها بحسن العزاء ، وتغلغل في مسالك أنفاسى فعوض نفسي من النزاع إليك نزوعا عنك « 2 » ، ومن الذهاب فيك رجوعا دونك ، وكشف عن عيني ضبابات ما ألقاه الهوى على بصرى ، ورفع عنها غيابات ما سدله الشك دون نظري ، حتى حدر النقاب عن صفحات شيمك ، وسفر عن وجوه خليقتك ؛ فلم أجد إلَّا منكرا ، ولم ألق إلا مستكبرا ، فوليت منها فرارا ، وملئت رعبا ، فاذهب فقد ألقيت حبلك على غاربك ، ورددت إليك ذميما عهدك .
وفى فصل من هذه الرسالة : وأما عذرك الذي رمت بسطه فانقبض ، وحاولت تمهيده وتقريره فاستوفز وأعرض ، ورفعت بضبعه فانخفض ، فقد ورد ولقيته بوجه يؤثر قبوله على ردّه ، وتزكيته على جرحه ، فلم يف بما بذلته لك من نفسه ، ولم يقم عند ظنّك به ، أنّى وقد غطَّى التذمّم وجهه ، ولفّ الحياء رأسه ، وغضّ الخجل طرفه ؛ فلم تتمكن من استكشافه ، وولَّى فلم تقدر على إيقافه ، ومضى يعثر في فضول ما يغشاه من كرب حتى سقط ، فقلنا : لليد والفم ؛ ثم أمر بمطالعة ما صحبه فلم أجده إلَّا تأبّط شرا ، أو تحمّل وزرا .
وقوله هذا محلول من عقد نظمه إذ يقول :
أقر السلام على الأمير وقل له
قدك اتّئب أر بيت في الغلواء
أنت الذي شتّتّ شمل مسرّتى
وقدحت نار الشوق في أحشائى
ورضيت بالثمن اليسير معوضة
منى ، فهلَّا بعتنى بغلاء
وسألتك العتبى فلم ترني لها
أهلا ، فجدت بعذرة شوهاء « 3 »
وردت مموّهة فلم يرفع لها
طرف ، ولم ترزق من الإصغاء
هامش
« 1 » لأم : ضم وجمع ولحم ، والفطور : جمع فطر ، وهو الشق ( م )
« 2 » النزاع إليك : أي الشوق إليك ، والنزوع عنك : الانصراف عنك ( م )
« 3 » العتبى : الاسترضاء ، والعذرة - بالكسر - الاعتذار ( م )