تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 844

مساهمون:

ص٨٤٤

[ أبو العيناء وابن ثوابة ]

وكان أبو العيناء يعادى ابن ثوابة لمعاداته لأبى صقر ؛ فاجتمعا في مجلس صاعد في غد ذلك اليوم ، فتلاحيا ، فقال ابن ثوابة : أما تعرفني ؟ فقال : بلى أعرفك ضيّق الطعن ، كثير الوسن ، خارّا على الذّقن ، وقد بلغني تعدّيك على أبى الصقر ، وإنما حلم عنك ؛ لأنه لم يجد لك عزّا فيذلَّه ، ولا علوّا فيضعه ، ولا مجدا فيهدمه ؛ فعاف لحمك أن يأكله ، ودمك أن يسفكه ، فقال ابن ثوابة : ما تسابّ إنسانان إلَّا غلب ألأمها ، فقال أبو العيناء : فلهذا غلبت بالأمس أبا الصقر !

[ من مكارم أبى الصقر ]

ومما يعدّ من مكارم أبى الصقر أن ابن ثوابة دخل عليه في وزارته ، فقال : تاللَّه لقد آثرك اللَّه علينا وإن كنّا لخاطئين ، فقال أبو الصقر : لا تثريب عليك يغفر اللَّه لك [ وهو أرحم الراحمين ] ، فما قصّر في الإحسان إليه ، والإنعام عليه ، مدة وزارته .

[ أبو الصقر وأبو العيناء ]

ولما ولى أبو الصقر الوزارة خيّر أبا العيناء فيما يخبّه حتى يفعله به ، فقال : أريد أن يكتب [ لي الوزير ] إلى أحمد بن محمد الطائي يعرّفه مكاني ، ويلزمه قضاء حق مثلي . فكتب إليه كتابا بخطَّه ، فوصّله إلى الطائي ، فسبب له في مدة شهر مقدار ألف دينار ، وعاشره أجمل عشرة ، فانصرف بجميع ما يحبّه وكتب إلى أبى الصقر كتابا مضمنه : أنا - أعزّك اللَّه - طليقك من الفقر ، ونقيذك من البؤس ، أخذت بيدي عند عثرة الدهر ، وكبوة الكبر ، وعلى أية حال حين فقدت الأولياء والأشكال والإخوان والأمثال ، الذين يفهمون في غير تعب ، وهم الناس الذين كانوا غياثا للناس ، فحللت عقدة الخلَّة ، ورددت إلىّ بعد النفور النعمة ، وكتبت لي كتابا إلى الطائي ، فكأنما كان منه إليك ، أتيته وقد استصعبت علىّ الأمور ، وأحاطت بي النوائب ؛ فكثّر من بشره ، وبذل من يسره ، وأعطى من ماله أكرمه ، ومن برّه أحكمه ، مكرما لي