تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
الدهر ، أو أذبحه فيكون فيه خصب الرّحل ؛ فملت إلى استبقائه لما تعرف من محبتي في التوفير ، ورغبتي للتّثمير ، وجمعى للولد ، وادّخارى لغد ، فلم أجد فيه مستمتعا للبقاء ، ولا مدفعا للفناء ؛ لأنه ليس بأنثى فتحمل ، ولا بفتى فينسل ، ولا بصحيح فيرعى ، ولا بسليم فيبقى ؛ فملت إلى الثاني من رأييك ، وعوّلت على الآخر من قوليك ، وقلت : أذبحه فيكون وظيفة للعيال ، وأقيمه رطبا مقام قديد الغزال ، فأنشدني وقد أضرمت النار ، وحدّت الشّفار ، وشمّر الجزّار :
أعيذها نظرات منك صادقة أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
وقال : ما الفائدة لك في ذبحى ؟ وأنا لم يبق منى إلا نفس خافت ، ومقلة إنسانها باهت : لست بذى لحم ، فأصلح للأكل ؛ لأن الدهر قد أكل لحمي ، ولا جلدي يصلح للدّباغ ؛ لأن الأيام قد مزّفت أديمى ، ولا لي صوف يصلح للغزل ؛ لأن الحوادث قد حصّت وبرى ؛ فإن أردتنى للوقود فكفّ بعر أبقى من ناري ، ولن تفي حرارة جمرى بريح قتارى ، فلم يبق إلا أن تطلبني بذحل « 1 » أو بيني وبينك دم . فوجدته صادقا في مقالته ، ناصحا في مشورته ، ولم أعلم من أي أمريه أعجب ؛ أمن مماطلته للدهر بالبقاء ، م من صبره على الضرّ واللأواء « 2 » ، أم من قدرتك عليه مع إعواز مثله ، أم من تأهيلك للصدبق به مع خساسة قدره ؟ ويا ليت شعري إذ كنت - وإليك سوق الغنم ، وأمرك ينفذ في الضأن والمعز ، وكلّ كبش سمين وحمل بطين مجلوب إليك ، مقصور عليك - تقول فيه قولا فلا تردّ ، وتريده فلا تصدّ ، وكانت هديتك هذا الذي كأنه ناشر من القبور ، أو قائم عند النفخ في الصور ، فما كنت مهديا لو أنك رجل من عرض الكتّاب ، كأبى علىّ وأبى الخطَّاب ، ما كنت تهدى إلا كلبا أجرب ، أو قردا أحدب .
هامش
« 1 » الذحلى : الثأر ( م ) « 2 » اللأواء : الشدة ( م )