تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
أهل النبوّة والخلا فة والكمال برغم لاحى يتألَّمون من الصّدو د ويصبرون على الجراح

[ بين ابن خاقان وأبى العيناء ]

حمل محمد بن عبيد اللَّه بن خافان أبا العيناء على دابّة زعم أنها غير فاره « 1 » ، فكتب إليه : أعلم الوزير ، أعزه اللَّه ، أن أبا على محمدا أراد أن يبرّنى فعقّنى ، وأن يركبنى فأرجلنى ، أمر لي بدابّة تقف للنّبرة « 2 » ، وتعثر بالبعرة ، كالقضيب اليابس عجفا « 3 » ؛ وكالعاشق المهجور دنفا ، قد أذكرت الرواة عذرة العذرىّ ، والمجنون العامري ، مساعد أعلاه لأسفله ، حباقه مقرون بسعاله ، فلو أمسك لترجيت ، ولو أفرد لتعزّيت ، ولكنه يجمعهما في الطريق المعمور ، والمجلس المشهور ، كأنه خطيب مرشد ، أو شاعر منشد ، تضحك من فعله النّسوان ، وتتناغى من أجله الصّبيان ؛ فمن صائح يصيح : داوه بالطباشير ، ومن قائل يقول : نوّله الشعير ، قد حفظ الأشعار ، وروى الأخبار ، ولحق العلماء في الأمصار ، فلو أعين بنطق ؛ لروى بحقّ وصدق ، عن جابر الجعفىّ ، وعامر الشّعبى ؛ وإنما أتيت من كاتبه الأعور ، الذي إذا اختار لنفسه أطاب وأكثر ، وإن اختار لغيره أخبث وأنزر ؛ فإن رأى الوزير أن يبدّلنى به ، ويريحنى منه بمركوب يضحكنى كما ضحّك منى ، يمحو بحسنه وفراهته ، ما سطَّره العيب بقبحه ودمامته ؛ ولست أذكر أمر سرجه ولجامه ؛ فإن الوزير أكرم من أن يسلب ما يهديه ، أو ينقض ما يمضيه . فوجّه عبيد اللَّه إليه برذونا من براذينه بسرجه ولجامه ، ثم اجتمع مع محمد ابن عبيد اللَّه عند أبيه ، فقال عبيد اللَّه : شكوت دابّة محمد ، وقد أخبرني الآن أنه يشتريه منك بمائة دينار ، وما هذا ثمنه لا يشتكى .
هامش
« 1 » فاره : أي جيدة قادرة على السير ( م ) « 2 » النبرة : الصيحة ( م ) « 3 » العجف : الهزال ( م )