تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
ذكرت المرأة أنّ الباب عليها مقفل من ثلاث بسبب طيرة ابن الرومي ، وذلك أنه يلبس ثيابه كلّ يوم ، ويتعوّذ ثم يصير إلى الباب ، والمفتاح معه ، فيضع عينه على ثقب في خشب الباب ، فتقع عينه على جار له كان نازلا بإزائه ، وكان أحدب يقعد كل يوم على بابه ، فإذا نظر إليه رجع وخلع ثيابه ، وقال : لا يفتح أحد الباب . فعجبت لحديثها ، وبعثت بخادم كان يعرفه ، فأمرته بأن يجلس بإزائه - وكانت العين تميل إليه - وتقدّمت إلى بعض أعواني أن يدعو الجار الأحدب ؛ فلما حضر عندي أرسلت وراء غلامي ؛ لينهض إلى ابن الرومي ، ويستدعيه الحضور ؛ فإني لجالس ومعي الأحدب إذ وافى أبو حذيفة الطَّر سوسىّ ومعه برذعة الموسوس صاحب المعتضد ، ودخل ابن الرومي ، فلما تخطَّى عتبة باب الصّحن عثر فانقطع شسع نعله ، فدخل مذعورا ؛ وكان إذا فاجأه الناظر رأى منه منظرا يدلّ على تغير حال ؛ فدخل وهو لا يرى جاره المتطيّر منه ، فقلت له : يا أبا الحسن ، أيكون شئ في خروجك أحسن من مخاطبتك للخادم ، ونظرك إلى وجهه الجميل ؟ فقال : وقد لحقني ما رأيت من العثرة ، لأنى فكرت أنّ به عاهة ! وهي قطع أنثييه ، قال برذعة : وشيخنا يتطيّر ؟ قلت : نعم ويفرط ، قال : ومن هو ؟ قلت : علي بن العباس ، قال : الشاعر ؟ قلت : نعم ، فأقبل عليه وأنشده :
ولما رأيت الدهر يؤذن صرفه بتفريق ما بيني وبين الحبائب رجعت إلى نفسي فوطَّنتها على ركوب جميل الصّبر عند النوائب ومن صحب الدنيا على جور حكمها فأيامه محفوفة بالمصائب فخذ خلسة من كل يوم تعيشه وكن حذرا من كامنات العواقب ودع عنك ذكر الفأل والزّجر واطَّرح تطيّر جار أو تفاؤل صاحب
فبقى ابن الرومي باهتا ينظر إليه ولم أدر أنه شغل قلبه بحفظ ما أنشده ، ثم قام أبو حذيفة وبرذعة معه ، فحلف ابن الرومي لا يتطيّر أبدا من هذا ولا من
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 533 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد