ناقشني في القبول أولا « 1 » ، وصارمنى في الإقبال آخرا ؛ فأما حديث الاستقبال ، وأمر الإنزال والإنزال « 2 » ، فنطاق الطمع ضيّق عنه ، غير متسع لتوقّعه منه ، وبعد فكلفة الفضل بيّنة ، وفروض الودّ متعيّنة ، وأرض العشرة ليّنة ، وطرقها هيّنة ، فلم اختار قعود التّعالى مركبا ، وصعود التغالى مذهبا ؛ وهلَّا ذاد الطير عن شجر العشرة ، وذاق الحلو من ثمرها ؛ فقد علم اللَّه أن شوقى إليه قد قدّ الفؤاد برحا إلى برح ، ونكأه قرحا إلى قرح ، ولكنها مرّة مرّة ، ونفس حرّة ، لم تقد إلا بالإعظام ، ولم تلق إلا بالإجلال والإكرام ، وإذا استعفانى من معاتبته ، فأعفى نفسه من كلف الفضل يتجشّمها ، فليس إلَّا غصص الشوق أتجرّعها ، وحلل الصّبر أتدرّعها ، ولم أعره من نفسي ، وأنا لو أعرت جناحي طائر لما طرت إلَّا إليه ، ولا وقعت إلا عليه :
أحبك يا شمس النهار وبدره
وإن لامنى فيك السها والفراقد
وذاك لأنّ الفضل عندك باهر
وليس لأن العيش عندك بارد
فلما وردت عليه الرّقعة حشد تلاميذه وخدمه ، وجشم للايجاب قدمه « 3 » :
وطلع علينا مع الفجر طلوعه ، ونظمتنا حاشيتا دار الأمير أبى الطيب ؛ فقلنا :
الآن تشرق الحشمة وتنوّر ، وننجد في العشرة ونغوّر ، وقصدناه شاكرين لما أتاه ، وانتظرنا عادة برّه ، وتوقّعنا مادّة فضله ؛ فكان خلَّبا شمناه ، وآلا وردناه « 4 » ، وصرفنا في تأخّره وتأخّرنا عنه إلى ما قاله ابن المعتز :
إنّا على البعاد والتفرّق
لنلتقى بالذكر إن لم نلتق
وأنشدنا قول ابن عصرنا « 5 » :
أحبك في البتول وفى أبيها
ولكني أحبّك من بعيد
هامش
« 1 » في الرسائل « ناقشني في الحساب القبول أولا وصارفنى في الإقبال ثانيا » ( م ) .
« 2 » الإنزال - بكسر الهمزة - مصدر أنزله ، والإنزال - بالفتح - جمع نزل ، وهو ما يقدم للضيف ( م ) .
« 3 » في الرسائل « وجشم الإيجاف قدمه » ( م ) .
« 4 » الخلب - بزنة سكر - البرق الذي لا يعقبه مطر ، والآل : السراب ( م ) .
« 5 » في الرسائل ذكر بعد هذه العبارة البيتين السابقين اللذين أولهما « أحبك يا شمس النهار وبدره » ( م ) .