تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
إن أفلت فليس يفوت ، وإن لم يمت فسيموت ؛ وما أقبح الشماتة ، بمن أمن الإماتة ، فكيف بمن يتوقّعها بعد كل لحظة ، وعقب كلّ لفظة ، والدّهر غرثان طعمه الخيار « 1 » ، وظمآن شربه الأحرار ، فهل يشمت المرء بأنياب آكله ، أم يسرّ العاقل بسلاح قاتله ؟ وهذا الفاضل شفاه اللَّه وإن ظاهرناه بالعداوة قليلا ، فقد باطنّاه ودّا جميلا ، والحرّ عند الحميّة لا يصطاد ، ولكنه عند الكرم ينقاد ، وعند الشدائد تذهب الأحقاد ، فلا تتصور حالتي إلا بصورتها من التوجّع لعلَّته ، والتحزّن لمرضته ، وقاه واللَّه المكروه ، ووقانى سماع المحذور فيه ، بمنّه وحوله ، ولطفه وطوله . قال البديع في سياقة أخباره مع أبي بكر الخوارزمي : أولها أنا وطئنا خراسان ، فما اخترنا إلَّا نيسابور دارا ، وإلَّا جوار السادة جوارا ، لا جرم أنا حططنا بها الرّحل ؛ ومددنا عليها الطَّنب ، وقديما كنا نسمع بحديث هذا الفاضل فنتشوّقه ، وبخبره على الغيب فنتعشّقه ، ونقدّر أنا إذا وطئنا أرضه ، ووردنا بلده ، يخرج لنا في العشرة عن القشرة ، وفي المودّة عن الجلدة ، فقد كانت كلمة الغربة جمعتنا ، ولحمة الأدب نظمتنا ، وقد قال شاعر القوم غير مدافع « 2 » :
أجارتنا إنّا غريبان هاهنا وكلّ غريب للغريب نسيب
فأخلف ذلك الظنّ كلّ الإخلاف ، واختلف ذلك التقدير كلّ الاختلاف ، وكان قد اتفق علينا في الطريق من العرب اتفاق ، لم يوجبه استحقاق ، من بزّة بزوها ، وفضّة فضوها ، وذهب ذهبوا به ، ووردنا نيسابور براحة ، أنقى من
هامش
« 1 » غرثان : جوعان ، والطعم : المطعوم ( م ) . « 2 » هو امرؤ القيس بن حجر الكندي ( م ) .
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 510 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد