تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 505

مساهمون:

ص٥٠٥
راح كالنار والنّور والنّور ، أصفى من البلَّور ، ومن دمع المهجور . روح نور لها من الكأس جسم ، كأنها شمس في غلالة سراب . شراب أكاد أقول : هو أصفى من مودّتى لك ، ومن نعم اللَّه عندي فيك ، وأطيب من إسعاف الزمان بلقائك . مدامة قد سبك الدهر تبرها فصفا . كأس كأنها نور ضميره نار . راح كياقوتة في درّة ، أصفى من ماء السماء ، ودمع العاشقة المرهاء « 1 » ، أحسن من الدنيا المقبلة ، والنعم المكملة . أحسن من العافية في البدن ، وأطيب من الحياة في السرور . أرقّ من نسيم الصّبا ، وعهد الصّبا . أرقّ من دمع محبّ ، وشكوى صبّ . أرقّ من دموع العشّاق ، مرتها لوعة الفراق . مزج نار الرّاح بنور الماء . راح كأنها معصورة من وجنة الشمس ، في كأس كأنها مخروطة من فلقة البدر . كأسها ملء اليد ، وريحها ملء البلد ، تصبّ على الليل ثوب النهار ، كأنها في الكأس معنى دقيق في ذهن لطيف . كأنّ الراح من خدّه معصورة ، وملاحة الصورة عليها مقصورة . وهذا من قول الطائي
كأنها من خدّه تعصر
وقال عبد السلام بن رغبان الملقب بديك الجن الشاعر المشهور :
معتّقة من كفّ ظبي كأنما تناولها من خدّه فأدارها
تمشّت الصّهباء في عظامهم ، وترقّت إلى هامهم ، وماست في أعطافهم ، ومالت بأطرافهم . سارت فيهم الكئوس ، ونالت منهم سورة الخندريس « 2 » . شربت عقولهم ، وملكت قلوبهم . وقال أبو نواس ، وهو أستاذ الناس في هذا الشأن :
صفة الطول بلاغة الفدم فاجعل صفاتك لابنة الكرم تصف الطلول على السماع بها أفذو العيان كثابت العلم
هامش
« 1 » مرهاء : بيضاء . « 2 » الخندريس ، والصهباء : من أسماء الخمر .
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 505 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد