تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
فلا تأمن أن يغتابك عند غيرك . قال إبراهيم بن العباس في هذا النحو .
إني متى أحقد بحقدك لا أضرّ به سواكا ومتى أطعتك في أخيك أطعت فيك غدا أخاكا حتّى أرى متقسّما يومى لذا ، وغدا لذاكا حسب الكاذب بعقله سقما وبقلبه خصما
ابن المعتز : علامة الكذاب جوده باليمين لغير مستحلف ، وقال :
وفي اليمين على ما أنت فاعله ما دلّ أنك في الميعاد متّهم
وقال : اجتنب مصاحبة الكذّاب ، فإن اضطررت إليه فلا تصدّقه ، ولا تعلمه أنك تكذّبه ، فينتقل عن ودّه ، ولا ينتقل عن طبعه . يعترى حديث الكذّاب من الاختلاف مالا يعترى الجبان من الارتعاد عند الحرب . لا تصحّ للكذّاب رؤيا ؛ لأنه يخبر عن نفسه في اليقظة بما لم ير ، فتريه في النوم ما لا يكون ، وأنشد :
لا يكذب المرء إلا من مهانته أو عادة السوء ، أو من قلَّة الأدب
ولأهل العصر : فلان منغمس في عيبه ، يكذب لذيله على جيبه ، يقول بهتا ، وزورا بحتا ، قد ملأ قلبه رينا ، وقوله مينا ؛ يدين بالكذب مذهبا ، ويستثير الزّور مركبا ، أقاويل يتمشّى الزّور في مناكبها ، ويبرز البهتان في مذاهبها . وقال أعرابي لابنه وسمعه يكذب : يا بنى ، عجبت من الكذّاب المشيد بكذبه ، وإنما يدلّ على عيبه ، ويتعرّض للعقاب من ربّه ؛ فالآثام له عادة ، والأخبار عنه متضادّة ، إن قال حقا لم يصدّق ، وإن أراد خيرا لم يوفّق ؛ فهو الجاني على نفسه بفعاله ، والدّالّ على فضيحته بمقاله . فما صحّ من صدقه نسب إلى غيره ، وما صحّ من كذب غيره نسب إليه ، فهو كما قال الشاعر :
حسب الكذوب من المها نة بعض ما يحكى عليه ما إن سمعت بكذبة من غيره نسبت إليه
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 477 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد