تحمل قربة ، فلما نظر إليها لم يتمالك أن قام إليها ، فقال لها : باللَّه غنّى صوتا .
فقالت : إن موالىّ أعجلونى ، فقال : لا بدّ من ذلك ، قالت : أما والقربة على كتفي فلا ، قال : فأنا أحملها ، فأخذ القربة منها ، فاندفعت تغنّى :
فؤادي أسير لا يفكّ ، ومهجتي
تفيض ، وأحزانى عليك تطول
ولى مقلة قرحى لطول اشتياقها
إليك ، وأجفانى عليك همول
فديتك ، أعدائي كثير ، وشقّتى
بعيد ، وأشياعى لديك قليل « 1 »
فطرب وصرخ صرخة ، وضرب بالقربة إلى الأرض فشقّها ؛ فقامت الجارية تبكى ، وقالت : ما هذا بجزائى منك ؛ أسعفتك بحاجتك فعرّضتنى لما أكره من موالىّ . قال : لا تغتمى فإنّ المصيبة علىّ حصلت ، ونزع الشّملة ووضع يدا من خلف ويدا من قدّام ، وباع الشّملة وابتاع لها قربة جديدة ، وقعد بتلك الحال ؛ فاجتاز به رجل من ولد علىّ بن أبي طالب - رضي اللَّه تعالى عنه ! - فعرف حاله ، فقال : يا أبا ريحانة ! أحسبك من الذين قال اللَّه تعالى فيهم : * ( ( فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ ) ) * . قال : لا يا بن رسول اللَّه ، ولكني من الذين قال اللَّه تعالى فيهم : * ( ( فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه ) ) * فضحك ، وأمر له بألف درهم .
ومرّ بالأوقص المخزومي ، وهو قاضى المدينة ، سكران [ وهو ] يتغنّى بليل ، فأشرف عليه ، وقال : يا هذا ، شربت حراما ، وأيقظت نياما ، وغنّيت خطأ ؛ خذه عنى ، وأصلح له الغناء .
وسمع سعيد بن المسيب منشدا ينشد :
فلم تر عيني مثل سرب رأيته
خرجن من التنعيم معتمرات « 2 »
هامش
« 1 » فديتك : كنت فداء لك ، وشقتى بعيد : أي أن ما بيني وبين أهلي بعيد ، والأشياع : الأنصار ( م ) .
« 2 » السرب : القطيع من البقر والظباء ، والمراد به هنا جماعة من حسان النساء