أما عقلا ، فقد شهدت البراهين العقلية على أن الوجود متحد حقيقة ، مختلف
مرتبة ، فإذا كان كذلك فلا معنى أن يكون الوجود مؤثرا في مرتبة " الواجب "
تعالى غير مؤثر في مرتبة " الممكن " ما دام الوجود كما قلنا متحد حقيقة ، وإنما
هو مختلف في الرتبة . ولهذا فإن من يدعي تأثير الله من دون تسبب من الأسباب
يقول ذلك بلسانه وقلبه مؤمن بخلافه .
وأما كتابا ، فإن الذكر الحكيم ملئ بالآيات الصريحة بتأثير العلل والعوامل
الطبيعية في آثارها ، وقد أوردنا بعض هذه الآيات في ذيل مبحث الشرك في
العبادة .
والحاصل أن هناك فرقا واضحا بين القول بأن الله هو المؤثر المباشر في كل
شئ ، والقول بأنه هو المؤثر الأصيل عن طريق جعل الأسباب ، فمثلا هو سبحانه
المخرج للثمرات من الأشجار لكن بسبب الماء ( 1 ) ، فالله سبحانه هو المؤثر التام
والقيوم المطلق ، الذي يقوم به كل شئ ، ويؤثر به كل شئ ، وأما غيره فإن وجوده
وتأثيره وأثره بإرادته وإذنه سبحانه ، وهذا هو حقيقة التوحيد والخالقية ، وقد
أوضحنا مراتب التوحيد في محله ( 2 ) .
هامش
( 1 ) إشارة إلى قوله سبحانه : * ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم ) * .
( 2 ) لاحظ مفاهيم القرآن الجزء الأول ، وهي من تأليف الأستاذ العلامة السبحاني بقلم الكاتب .