تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
روي عن ابن عبّاس : أنّ نفرا من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة ، فأظهروا الشهادتين ، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات ، وأغلوا أسعارهم ، وهم يغدون ويروحون على رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ويقولون : أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها ، وجئناك بالأثقال والذراري ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان ، يريدون الصدقة ويمنّون عليه ، فنزلت : * ( قالَتِ الأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ) * إذ الإيمان تصديق مع ثقة وطمأنينة قلب ، ولم يحصل لكم وإلا لمّا مننتم على الرسول بالإسلام وترك المقاتلة كما دلّ عليه آخر السورة * ( ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ) * فإن الإسلام - الَّذي هو انقياد - دخول في السلم وإظهار الشهادة . وترك المحاربة يشعر به . وكان نظم الكلام أن يقول : لا تقولوا آمنّا ولكن قولوا أسلمنا ، أو لم تؤمنوا ولكن أسلمتم . فعدل منه إلى هذا النظم احترازا من النهي عن القول بالإيمان والجزم بإسلامهم . فإنّه لو قيل : ولكن أسلمتم لكان خروجه في معرض التسليم لهم والاعتداد بقولهم ، وهو غير معتدّ به ، لفقد شرط اعتباره شرعا ، وهو التصديق القلبي . فأفاد هذا النظم تكذيب دعواهم أوّلا ، ودفع ما انتحلوه ، فقيل : « قل لم تؤمنوا » . وروعي في هذا النوع من التكذيب أدب حسن حين لم يصرّح بلفظه ، فلم يقل : كذبتم ، ووضع « لم تؤمنوا » الَّذي هو نفي ما ادّعوا إثباته موضعه . ثمّ نبّه على ما فعل من وضعه موضع : كذبتم ، في قوله بعد في صفة المخلصين : * ( أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) * « 1 » تعريضا بأنّ هؤلاء هم الكاذبون . * ( وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) * توقيت ل‍ « قولوا » ، فإنّه حال من ضميره ، أي : ولكن قولوا : أسلمنا ، ولم تواطئ قلوبكم ألسنتكم بعد . ولمّا كان فائدة قوله : « قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا » تكذيب دعواهم ، وقوله : « ولَمَّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ » توقيت
هامش
( 1 ) الحجرات : 15 .