تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
أطمّ « 1 » وهجنته أتمّ ، من الصياح برسول اللَّه في حال خلوته ببعض حرماته من وراء الجدر ، كما يصاح بأهون الناس قدرا ، لينبّه على فظاعة ما أجروا إليه وجسروا عليه ، لأنّ من رفع اللَّه قدره عن أن يجهر له بالقول ، حتّى خاطبه جلَّة المهاجرين والأنصار بأخي السرار ، كان صنيع هؤلاء من المنكر الَّذي بلغ من التفاحش مبلغا . ومن هذا وأمثاله يقتطف ثمر الألباب ، وتقتبس محاسن الآداب . ثمّ أدّبهم اللَّه تعالى بقوله : * ( ولَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا ) * في محلّ الرفع على الفاعليّة ، لأنّ المعنى : ولو ثبت صبرهم ، فإنّ « أنّ » وإن دلَّت بما في حيّزها على المصدر ، دلَّت بنفسها على الثبوت ، ولذلك وجب إضمار الفعل . والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها . قال اللَّه تعالى : * ( واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ) * « 2 » . وهاهنا المفعول محذوف . والتقدير : ولو ثبت حبسهم أنفسهم عمّا تنازع إلى هواها من المناداة وراء الحجرات * ( حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ ) * أي : الصبر مغيّا بخروجه . والمعنى : أنّ خروج رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم غاية قد ضربت لصبرهم ، فما كان لهم أن يقطعوا أمرهم دون الانتهاء إليها ، فإنّ « حتّى » مختصّة بغاية الشيء في نفسه ، ولذلك تقول : أكلت السمكة حتّى رأسها ، ولا تقول : حتّى نصفها ، بخلاف « إلى » فإنّها عامّة . وفي « إليهم » إشعار بأنّه لو خرج لا لأجلهم ينبغي أن يصبروا حتّى يفاتحهم بالكلام ، أو يتوجّه إليهم . * ( لَكانَ ) * الصبر * ( خَيْراً لَهُمْ ) * من الاستعجال ، لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب ، والإسعاف بالمسؤول ، إذ روي أنّهم وفدوا شافعين في أسارى بني العنبر كما مرّ ، فأطلق النصف وفادى النصف ، فلو أنّهم صبروا لأطلق كلَّهم بغير فداء .
هامش
( 1 ) أي : أعظم . والهجنة : العيب والقبح . ( 2 ) الكهف : 28 .